كانت الحياة قديمًا أكثر بساطة .. وكان الحكم على النجاح في ظل عدم وجود وسائل التواصل الاجتماعي محصورًا في الدائرة الصغيرة التي يحتلها الأصدقاء والعائلة ومعارفهم، أو عن طريق الدائرة الكبيرة التي كان يتربع عليها التلفاز ثم الصحف.

كنت تستطيع أن تعرف أن قريبك فلان أصبح طبيبًا ناجحًا أو كاتبًا شهيرًا .. فكنت تعتبر ذلك دربًا من الاجتهاد أو حسن الحظ .. هو فقط شخص وحيد متفرد في دائرتك.

ولكن ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب وغيرها في بدايات الألفية لتجعل دائرة تواصلنا بلا حدود .. فلديك الآن معرفة بكل من قابلته .. تستطيع ببحث قصير أن تعلم أين هو، وماذا يفعل، وكيف تقدم أو تأخر في حياته في أي وقت من الأوقات.

أصبحت ترى في اليوم ألف قصة نجاح .. حتى وإن كانت من وجهة نظرك أنت فقط .. أناس تعرفهم من قريب أو من بعيد لديهم يوميًا قصص للنجاح .. ولن نناقش إذا كان هذا حقيقيًا أو أنه بفعل فلتر كبير يعرض فقط أفضل اللحظات لحساب الشخص، بينما يعمد صاحب أي فشل أو تراجع إلى دفن كل سيرة عنه، ويهيل عليه التراب بصورة الضاحكة … فقط أنت تشعر أنك حبيس نفس المكان.

أصبحت كلما التفت ترى آلاف النجوم.

وفي نفس الوقت جادت علينا وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديوهات المنتشرة بالعشرات، لا بل بالمئات، من نجوم الفيديوهات القصيرة .. لم تعد تحتاج إلى دراسة أو وساطة أو تحقيق شيء ملموس في حياتك لتصبح نجمًا يشاهده الملايين .. فقط بعض الإبداع والحضور .. أو حتى ثقل الدم والسماجه أحيانًا كاف لكي تبدأ مسيرتك في المجتمع الموازي .. وعلى الرغم من أن هذا كان الغرض الأساسي من عمل يوتيوب .. وهو شيء جيد بالمناسبة .. وساعد على تقديم الكثير من الآراء والأفكار والمواهب للعالم وأجبر الجميع على احترامه .. وفتح أمامه أبوابًا أوسع لمنفعة المجتمع .. إلا أنني الآن أصبحت أرى أن للأمر عيوب أخرى.

لقد أصبح الآن الشغل الشاغل هو متابعة هذه الفيديوهات .. بالطبع يختلف محتواها عن الآخر .. البعض منغمس في التفاهة بيديه وقدميه، بينما الآخر ارتقى حتى أصبح يكاد يبلغ في دقائق معدوده عنان السماء.

ولكن ما لاحظته أن البعض اعتقد أن متابعة فيديوهات الناجحين هو درب من النجاح في حد ذاته .. حيث يكان يغرق الفرد في متابعه فيديوهات التنمية البشرية .. وكيفة تنظم الوقت، حتى أنه يكاد يهدر بها يومه كله .. وكذلك الفيديوهات الدينية .. أصبحت متابعة تلك الفيديوهات هو البديل عن القيام بالواجبات الدينية في حد ذاتها .. حتى تجد من يتنقل بين فيديوهات كيف تبني شخصيتك ساعات وأيام دون أن يغادر مكتبه محاولًا الاحتكاك بالمجتمع وبناء شخصيته.

لا أهاجم تلك المحتويات .. بالعكس إنني أشجعها .. فكم من المفيد لصاحب الفيديو أن يجد صوته وأن يجد من يسمعه .. وأرفع القبعه لمتابع الموضوعات الهادفة .. على ذوقه وحسن اختياره .. ولكن رسالتي لمن أدمن التفرج على الناجحين .. إذا أردت أن تكون واحدًا منهم .. فتحرك .. اترك التعلم النظري واندمج في المجتمع .. ابحث عن نفسك في الواقع .. لا تجعل مشاهدة الناجحين يعتبر نجاحًا .. فالدقائق التي قضيتها في تلقي النص النفسي أو الديني أو العلمي .. إن لم تطبقها أو تجد وسيله لتستفيد بها وتفيد المجتمع .. هو فشل شخصي جديد سيضاف إلى سجلك.

من الجيد أن تستفيد بخبرات الآخرين .. ولكن من السيئ للغاية أن لا تستفيد بخبراتك أنت الشخصية .. ارجوك يا صديقي! لا تضع وسط كثرة هذا الزخم من المقالات والفيديوهات والتويتات والبوستات .. فصدقني لكل إنسان طريق عليه أن يسيره وحده حتى يصل إلى هدفه.

وتذكر دائمًا أن التجربة هي أكبر معلم .. وإن الفشل هو أول خطوه نحو النجاح .. طريقك لن يتحرك وحده، ولن يسيره بدلًا عنك شخص آخر .. توكل على الله .. فرؤية ألف فيديو عن الرسم لن يرسم لوحة جميلة .. والتأثر من ألف درس دين لا يعادل صلاة ودعاء بين يدي الله.

رؤية ذلك الكم من الرسائل النفسية المحفزة من شخصيات تعتبر بمقاييس العصر ناجحة بأبسط الأسباب، دون الاستفادة منه، لا يورث إلا الحسرة والحزن عندما ترى الجميع يفعل ما يستطيع، وينجح، بينما أنت في مكانك تتابع الجميع .. تشعر أن الجميع قد سبقك .. وأنك وحدك، بينما الواقع ليس كذلك .. اترك مقعد المتفرج، وكن أنت قائد سفينتك .. احتك بالبشر، بدلًا عن تلك الشاشة المضيئة .. فستجد لديهم قصصًا أخرى .. وستتعلم منهم ما لا يستطيع ألف فيديو أن يمنحه لك .. الكثير من الخبرات بالخارج فلا تترك نفسك أسيرًا لقصص النجاح .. واصنع واحدًا لك بنفسك.

فلا تضيع وقتك في لهو المشاهدة، فبينما أنت تلهو، هناك أحدهم يصنع المجد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد