في 2010 وبأرقى مجمعات إحدى الدول العربية حدثت مشاجرة بسبب «مصفط» بين فريقين من الشباب، راح ضحيتها شابًا يافعًا مطعونا بسكين «مطبخ» جلبه القاتل الموتور من إحدى المحال بالمجمع التي تبيع أدوات المطبخ، وكان وقتها جهاز «آيفون» في أوج انتشاره متزامنًا ذلك مع وسائل تواصل اجتماعية مثل «واتساب» و«إنستغرام»، فوقف النَاس، على اختلاف جنسياتهم، على رأس الفتى المضرجَ في دمه، يصورونه، وهو ينزف، من مختلف الزوايا!

توفى الفتى في طريقه للمشفى في سيارة الإسعاف. تداول المقطع آلاف المتابعين عبر واتساب وإنستغرام والرسائل الخاصة! مع غصة في الحلق، وبعض الـ…

في 2012 وبأحد أرقى أحياء مدينة نصر، صور مجهول أحد الفارين من المذبحة الشهيرة يصارع الموت لجرح بالغ في رأسه، من شرفة منزله العلوية، والواضح من الصورة أن الرجل ظل ينزف.. حتى مات منسدحا على بسطة مدخل البناية!

تم تصوير آلاف الصور المشهورة في مئات وكالات الإعلام بهواتف آيفون وغيرها من وسائل الالتقاط لرجال ونساء يستنجدون، فاز بسببها العديد من «المصورين» بفخيم الجوائز العالمية!

في 2014 وفي إحدى غارات الكيان الإسرائيلي على غزة، صور أحد مراسلي إحدى وكالات الإعلام المعروفة سيدة تصرخ وهي فارة تجري نحو السيارة التي هو فيها قائلة: محمود، محمود ياما، محمود ياماز. فيما يتعالى صوت القذف بالخلفية يقترب، ثم أسرعت سيارة طاقم الوكالة ولم نعرف أبدا مصير محمود ولا أمه الراكضة وراء السيارة أو وراء اللاشيء!

في الحقيقة لقد أورد باومان شيئًا من التبرير للأزمة الأخلاقية في مثل تلك الصور في كتابه الحداثة والهولوكوست، فكان مما جاء في تبريراته السوسيولوجية عن سكوت الآلاف من الآلمان عن جريمة تهجير وقتل ملايين اليهود، إذ المذابح بالنسبة للألمان كتعاون صامت أنكره الجميع، واشتركوا في 1- وساطة الفعل بالتبرأ من مسؤولية الفرد من نشوء الفعل، 2- اتخاذ الهدف الأعلى وسيلة تبرير كأقراص نوم أخلاقي 3- الإرادة! والأخير هذا عائم ومبهم، حتى في كتابات باومان!

لكن باومان قد أغفل لسبب أو لآخر قيام السلطات الباريسية بتهجير آلاف اليهود أيضا نحو مخيمات الإبادة! دون تدخل من ألمانيا!

ودعونا نسقط أيضا جرائم مخيمات الإبادة لليبيبن من قبل الأيطاليين، ولليابانين من قبل الأمريكيين، وللكوريين والصينيين من قبل اليابانيين وكلها تمت في أزمان متقاربة، ثم الأفارقة من قبل الهولنديين، وحديثا جدًا المسلمين البورميين من قبل البوذين البورميين أيضا!

كما أغفل باومان، الميت منذ بضعة أشهر فقط، تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل «الاجتماعي» على حياتنا!

في الحقيقة، ودون تشتيت عن المحور الأصلي لتفسير المشهد الإنساني، وللتلخيص:

1- لقد ذبح النَاس أنفسهم بأنفسهم واستباحوا أعراضهم بأيديهم حينما جعلوا أنفسهم/أقواتهم /أولادهم/حيواتهم الجنسية وحتى قصص الفراش السرية وتفاخراتهم بجولة سريعة في سوق نخاسة تختار فيها خادمة مباحة للملأ قربان شهرة وسمعة!

2- ضع نفسك مكان من تلوم، وصدقًا احكم على نفسك، خارج نفسكَ! الجميع وقتها ربما سيحتاج لقب «مسخ»!

في حادثة معروفة حدثت بالشتاء الماضي حينما قامت سيدة كويتية بتصوير خادمتها وهي على وشك السقوط من حالق باستخدام برنامج «السناب-شات» والتي أثارت وقتها جدلاً واسعًا حول أخلاقيات تلك استخدام تلك المواقع ومآلاتها الاجتماعية، هذا إذا كان الحكم منصفًا، ولم يتم الانجراف نحو الحكم على تلك المرأة بما يناسبها من اتهامات.

حسنًا.. في أدبيات السوسيولوجي هناك ما يسمى بـ«الضعف المتاح»، وبالتالي هناك ما هو ضده، «الضَعف المستحيل!»

إن فكرة الضعف المتاح متبلورة حول: «ردة فعل الفرد العادي الموضوع في موقف يستلزم منه إنقاذ آخرين!”

واستجاباته الفردية (التي من الممكن أن تكون غريبة جدًا وغير مواكبة) نحو أزمة الموقف المفترضة هي ما تحدد مدى ضعفه! أضف على ذلك ما استحدث من ولع بالتوثيق باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي الذي بات سهلا وفي متناول الجميع باستخدام الأجهزة الذكية.

ليصبح المجموع:

أنت كفرد عادي جدًا ولديه قدرات عقلية ونفسية في حدود المعروف + موقف الأزمة + الأجهزة الذكية = رد الفعل!

بعض السوسيولوجيين يفضل وضع «رد الفعل» كنتاج للعملية الكلية.. لكن أنا من وجهة نظري أجد أن هناك رد فعل ضمني، ورد فعل أخير استجابي!

رد الفعل الضمني، ليس فيه أي مؤثرات خارجية، أنت والحدث وفقط

ورد الفعل الاستجابي، أنت والحدث والمؤثر الخارجي!

التفكير من هذه الزاوية من الممكن أن تمثل بعدا لتبرئة المرأة الكويتية (وهو بالطبع ليس ما يرمي إليه المقال) والتي فضلت كرد فعل استجابي عادي جدا تصوير الخادمة، عوضًا عن مساعدتها! لأنها نفسها واقعة تحت تأثير «حدث أزمة» جعلها في ضعف متاح! ورد الفعل الوحيد الذي وجدته منطقيا – وقتئذ – هو التصوير! ربما كان أحدهم لَيفضل أكل الآيس كريم، وأحدهم لَيفضل الغناء، وآخر لَيفضل الرقص.. البكاء.. الهرب.. المساعدة الحقة! لأنه لم يكن واقعا تحت تأثير «آيفون» كمؤثر سيكو-سوسيولوجي داخل معادلة «التأثير ورد الفعل»!

يقول باومان: Social media are a trap!

باتفاقي مع باومان أجد أنه من الضروري إضافة «فخ مؤقت أو رد فعل!»

أما الضعف المستحيل، هو موقف إنقاذك لأشخاص ليس باستطاعتك إنقاذهم أبدا على أي شاكلة! مثل مواقفنا الرخيصة تجاه نصرة السوريين، كمثال.

متفقة جداً أن وسائل التواصل الاجتماعي أدوات بالغة الأهمية في توصيل صوتك وقضيتك لأكبر عدد ممكن، لكن الأيام أثبتت فيما لا يدع مجالا للفلسفة «أن أبطال الكارتون يعيشون في ضجة ويموتون بجرة قلم»!

فيسبوك، كمثال واضح على أقوى مواقع التواصل الاجتماعي وما يمثله من ضجيج صامت، يخدعك حتى النهاية بالمنبر الوهمي فتزداد فيه وله اشتباكا واختلافا فتصبح أنت وكبسة «الشير» و“اللايك» وحدة ثابتة إذا اشتكى منكما عضو تداعى له الآخر بالشكوى!

وقليل منا من عرف حقًا مأربه الحقيقي من تلك الأدوات فاتخذها وسيلة وليست هدفا، يعيش له مخلصا!

والأبطال الحقيقيون (في رأي مارتن هيدجر) لا يصنعون جلبة وانتصاراتهم باقية بقاء الحق، فتورث مع الروايات الثابتة كمحيط الهواء حول الأرض قديم ومتجدد! وهو الأمر الذي لا يختلف مع المؤازرة قدر ما استطعت بالكلمة، وذلك شطر من إيمان!

أما عن المخالطين للناس عن كثب يوم وراء آخر فتتوق مع الأيام نفوسهم للملاذ والسعي وراء الذات لما خلفته شحنات الازدحام النفسية بوجدانهم من أزمات، أقول، وهو رأيي المحض الذي لا يلزم أحدا، عش مع الناس بنصف قلب ونصف وعي، واحفظ لنفسك ما تبقى، واجعل من كل جزء كفاية ووطنًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد