إنَّ ما يُميّز الوقت الراهن؛ الانفجار الديمغرافي، الهندسة الوِراثية، التطور التكنولوجي الكبير، الأمراض الفتّاكة التي تُهدِّدُ حياة الإنسان. إلاَّ أننا لم نستفِد من هذا التطور التكنولوجي – مواقع التواصل الاجتماعي أُنموذجًا – لم نوظِّف هذه الواقع على أكملِ وجه.

إنَّ تاريخ الفيسبوك برمَّته منذ ظهوره لأول مرة، ومنذ أن عرفهُ المغاربة صار متشرذِمًا، متقهقرًا، غزتهُ التفاهة؛ الترهات، النقاشات المُتدنية، إرسال رسائل غير مباشرة لشخصٍ ما عبر منشورٍ معيّن. كلُّ هذا صرنا نعيشُ تحت وطأتهِ في السنوات الأخيرة، وأكاد أقولُ جازمًا أنَّ ما ينشرهُ المغاربة في الفيسبوك من فضائح، وانتقادات لاذِعة لأشخاص معينين دون معرفتهم، هو تعبيرٌ أصح عن مستوى تفكيرنا وثقافتنا الضحلة.

إنَّ الركود الثقافي الذي يعيشهُ الشاب المغربي، جعلهُ يعيشُ في دوامةٍ من الأوهام حيث صار يعتبرُ نفسه «مؤثرًا فيسبوكيًا» بامتياز، لأنه استطاع جمعَ حشدٍ كبير من المتابعين الذين لا يعرفون شيئًا عن ذلك المجال، ينشرُ ما يُمكّنه أن يخلق ما يُسمّى بـ«البوز». هذه الأشكال صراحةً لا أحبها، ولا أحبُّ من يتبعهُم، ويمدحونهم. كلُّ مؤثرٍ يرتكبُ أخطاءً إملائية مجحفة، هو صِفرٌ على اليسار والباقي تفاصيل.

لقد هيمنت الشّبكة العنكبوتية على العقل العربي، فإذا أمعنّا النظر على الحساب الفيسبوكي للفرد العربي بالمقارنة مع شابٍّ أجنبي فسنجدُ فرقًا شاسعًا منقطعُ النظير. لأن هذا الأخير ينشرُ ما سيستفيدُ منه المتتبع، من منشورات ثقافية، علمية، أدبية.

الشاب العربي يُعاني من أزماتٍ حادّة، يمكنُ اعتبارها أزمات نفسية وجنسية، لأنَّه يتلصص على الفتيات، ويطمحُ لإشباع غريزته. أليست هذه هي النَّذالة والخساسة في أبهى تجليّاتها؟

هنا لم أعمِّم صراحة، لأنّني أعرف استثناءات، شباب مغاربة مثقفون، يطمحون إلى الأفضل، يكتبونَ بشكلٍ جيّد. المؤثرون الفيسبوكيون هم عبارة عن أفراد يتنازعون فيما بينهم حول أشياء تافهة، كلُّ واحدٍ يحسدُ الآخر، يحسدهُ لأنَّ لديه متابعينَ كُثُر، أكثر منه بقليل. ألسنا صرنا مهدّدين بأنْ تغزو التفاهة عقولنا. المؤثر الفيسبوكي المغربي، يتميزُ باكتشافاتهِ المبهرة، ويعلمُ خبايا الافتراضي، ويعرف كلَّ صغيرةٍ وكبيرة عن منافسيه المؤثرين. ويفهم في جميع الميادين (الرياضي، السياسي، الاقتصادي، الجيولوجي…). يبدو لي أنَّ المؤثر الفيسبوكي في المغرب متعدِّد الحِرف، وتنبني أفكاره على النَّقد من أجل النقد، ونقاشاتهُ في الواقع تتمحور حول الترهات فقط.

لم أسلِّط الضوء على هذا الموضوع بشكلٍ اعتباطي، لأنني رأيتُ هذه التصرفات الغربية، المُريبة، التي تفصِحُ وتعبِّر عن الكائن العربي والمغربي بوصفه كائنًا متخلَّفًا انطلاقًا من ما يُنشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي مقارنةٍ بالغة الأهميّة سأقوم بها، حيث قارنتُ بين «الفيسبوك» و«الإنستجرام»، فرقٌ يراه الكفيف، في ذلك الأخير، تجدُ صورًا ومنشورات جميلة، تبعثُ في النفس بالارتياح الشديد؛ ويبينُ لك الآخر أنه حقًّا يستمتعُ بحياته، على خِلاف الفيسبوك؛ المملوءِ بالأخبار المجحفة، فالمغاربة إذا عرفوا موضوعًا ما، كلُّهم أصبحوا محلِّلين، وأنَّهم يعلمونَ كل شيء، وحيثيات ذلك الموضوع. ما هذا القرف الذي صرنا نعيشه؟ مثلًا، عند انهزام المنتخب المغربي في كأس العالم في مباراته الأولى ضدَّ إيران، ما إنْ فتحتُ حسابي حتى وجدتُ جميع الحسابات صارت باسم «جمال الشريف» – المحلِّل الرياضي في قنوات بي إن سبورتس – كلُّ واحد يبدي رأيه، أخطاء تحكيمية، خطأ اللاعب المغربي بتسجيله هدفًا بالخطأ في مرماه، غياب النَّجاعة الهجومية. ما هذا اللَّغط، هل صار الجميعُ يفهم خبايا كرة القدم.

مسألة التأثير عبر الفيسبوك يمكنُ تطبيقها على أولئك غير المثقفين؛ الذين لا يقرأون ولا يفهمون الخطأ من الصواب، إذا كتبَ مؤثِّرهم أيّ شيء اتفقوا معه دون تفكير. إنَّ هذا يضحكني كثيرًا.

لا تتفقوا مع أحد، فكِّروا بأنفسكم، اُكتبوا أشياء مفيدة، تابعوا المثقفين والكُتَّاب الذين ستسفيدُون من تجاربهم القيّمة، ابتعدوا عن التافهين الذين يختبؤون وراء لفظة المؤثر. فلا تأثير بدون ثقافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك