العود في أرضه نوع من الحطب

بعد أولى الاصابات المؤكدة بـ«فيروس كورونا» بالجزائر، أعلن عالم الفلك الجزائري، لوط بوناطيرو، أن فريقه البحثي المكون من أطباء باحثين جزائريين وعراقيين قد توصلوا إلى إيجاد علاج أولي لـ«فيروس كورونا»، ولم يتبق إلا خطوات قليلة ليتم الإعلان عنه بشكل رسمي.

صاحَبَ هذا التصريح موجات تهكم واستهزاء وسخرية شديدة، فلا تخلو صفحة «فيسبوك» جزائرية من منشورات أبدع ناشروها في اختراع نكت حول الموضوع. فقال أحدهم: «دواء بوناطيرو قضى على فيروس كورونا؛ لأن من تناوله قد مات»، وقال آخر: «كل الحالات هي أربع، ثلاث حالات توفيت بعد تعاطي دواء بوناطيرو، والحالة الرابعة انتحرت بمجرد سماع اسم بوناطيرو». 

ولا يعدو كون هذين التهكمين إلا غيضًا من فيض غزى مواقع التواصل الاجتماعي وأغرقها في برك مياه ملوثة بالسلبية. 

نعم، إنها سلبية لا تكاد تفارق منشوراتنا على «فيسبوك» أو على غيره من المواقع، كل الموضوعات دون استثناء ننتقدها نقدًا هدامًا، لكنه يبني في بعض الأحيان نفسيات مشبعة بالسلبية والتشاؤم.

هل اطلع المنتقدون على أبحاث جماعة بوناطيرو؟ هل عرفوا أن هذه الفرقة البحثية كانت مهتمة بالفيروسات قبل ظهور فيروس كورونا أصلًا؟ هل ناشر السلبية في مواقع التواصل الاجتماعي يطلع على الموضوع قبل انتقاده؟

لست هنا في موقف دفاع عن بوناطيرو، ولا عن مشاريعه وأبحاثه، ولا أعلم إن كان مصيبًا أم مخطئًا، لكنني أسلط الضوء على ظلام السلبية التي تجعل المستخدمين «يهرفون» بما لا يعرفون، ففي وقت ليس ببعيد عن هذه الحادثة، نشرت صفحة «فيسبوك» مهتمة بالتلاوات القرآنية فيديو لشيخ جزائري مقرئ يؤم المصلين في صلاة التروايح، بدا لي أن الموضوع له نوع من القداسة التي تجعل المستخدم يفكر مرتين وأكثر قبل أن ينتقد أو يذم أو حتى أن يقدم ملاحظة بسيطة باستحياء، لكن ما وقع اختلف كثيرًا عما ظننت، مئات المعلقين يقولون: «مالِ هذا الشيخ لا يترك خطأً صغيرًا ولا كبيرًا إلا أتى به؟ أيحسن أحكام التجويد؟ هل مده صحيح؟»، وكل ما في الأمر أن الشيخ كان يقرأ برواية ورش عن طريق الأصبهاني التي لم يألفوها وظنوها جرمًا.  

بالعودة إلى موضوع التهكم والاستهزاء المنتشر بكثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي قد يعيده المختصون إلى اللوغارتمية الخاصة بهذه المواقع والتي تتعرف على أهمية المنشور من خلال عدد مشاركته، فكلما شارك المستخدمون منشورًا ما أكثر كل ما أظهره الموقع أكثر، فإنني لا أتصور أن يشارك المستخدم في كل وقت وحين مقالات علمية ومنشورات قيمة مع أصدقائه، لكنه يفعل ذلك إن كانت المنشورات مضحكة وطريفة.

وبالرغم من هذا فإنني لا أجد عذرًا، ولو كان أقبح من ذنب لنشر السلبية وزرعها في نفوس المستخدمين، وما يزيد الأمر استعصاءً في الفهم هو غياب سببية مقنعة للتهكم الدائم والمستمر على كل ما هو محلي، فإلى متى نبقى نعادي الإيجابية ونعتبر كل جزائري فاشل؟ ما الذي يضيرنا إن شجعنا أستاذًا ناجحًا وعالمًا باحثًا ومقرئًا مجيدًا وطالبًا مجدًّا وعاملًا متفانيًا؟ إن كان لا ضير في ذلك، فما النفع من تحطيمهم وقطع الطريق أمامهم؟ 

هذا الجزائري المنبوذ في أرضه وبين شعبه، سيصبح بطلًا خارقًا بمجرد أن يعترف بنجاحه الأجانب، والأمثلة كثيرة، ولم يخطئ من قال: «العود في أرضه نوع من الحطب». 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد