في هذه المقالة سأتحدث عن بعض الممارسات التي أصبحت تنهجها الكثير من وسائل الإعلام والتي لا تربطها أي صلة بمهنة الصحافة التي يجب أن تعبر عن هموم الحاضر ومشكلاته، والتعريف بقضايا الأمم ومعالجتها، وليس نشر التفاهة وإبعاد الأمم عن هموم حاضرها، وطمس قضاياها العادلة.

بداية تعتبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها (صحف، جرائد، راديو، تلفزيون، مواقع التواصل الاجتماعي)، نافذة القراء والمستمعين والمشاهدين للتعرف عن كثب على ما يجري على الصعيد العالمي عمومًا، والصعيد المحلي خصوصًا.

وقد ظهرت في أول المطاف الجرائد الورقية، التي كانت واحة القراء التي يلجونها للارتواء مما جادت به أقلام الكتاب في مختلف المواضيع، والتي كانت – ولا تزال – تحاول ما أمكن أن تطور شكل هذه الجرائد وتنوع مواضيعها لعلها تحافظ على زبنائها القراء، رغم ما طالها من إهمال وابتعاد القراء عنها، بفضل ما وفره غيرها من مميزات وخصائص للمستخدم وهو يحاول الحصول على الأخبار والمعلومات.

ثم ظهرت بعد ذلك محطات الراديو التي ساهمت في تسهيل عملية إيصال الخبر والمعلومة إلى المستمع أكثر دون حاجة منه إلى أن يتعب نفسه بالقراءة وما قد يصاحبها من ملل بالنسبة للكثير من القراء، مع ما كانت توفره من برامج متنوعة لاستقطاب عدد أكبر من المستمعين، لتقضي – نوعًا ما – على الصحف والجرائد والمجلات.

لتظهر بعد ذلك القنوات التلفزيونية التي اكتسحت بيوت الناس في مختلف انحاء العالم، وساهمت في تقريب الخبر من المشاهد بالصوت والصورة، والتي حاولت ما في وسعها لتنوع أكثر في برامجها من أجل استقطاب عدد أكبر من المشاهدين.

 لتظهر في الأخير مواقع التواصل الاجتماعي التي مثلت قفزة نوعية في مجال الإعلام، والتي ساعدت القنوات التلفزيونية، ومحطات الراديو، والصحف الورقية والإلكترونية في الوصول لعدد أكبر من الزوار عبر إنشاهم لحساباتهم على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» و«إنستغرام» و«يوتيوب» وغيرها، وساهمت في نشر ما يروج في العالم من مواضيع مختلفة كالسياسة، والدين، والثقافة، والعلوم، والفنون المختلفة، والآراء وغيرها من المواضيع، وقضت على مختلف وسائل الإعلام التي سبقتها، عبر إتاحتها لمجموعة من الخصائص والمميزات.

فمن بين أهم ما ميز هذه الأخيرة، وعلى عكس مثيلاتها من وسائل الإعلام الأخرى، أنه أصبح بمقدور مستخدمها مثلًا مشاهدة برنامجه المفضل في أي وقت شاء دون التقيد بالوقت المحدد لعرض ذلك البرنامج على التلفاز، هذا بالإضافة إلى أنها سمحت لمستخدمها من التفاعل مع الكثير من البرامج التلفزيزنية، وإبداء رأيه حول المواضيع المثارة وغيرها من المميزات.

لكن من بين سلبيات وسائل الإعلام الحديثة وخصوصًا الإلكترونية منها هو هاجس البحث عن النقرات والمشاهدات، فأصبح الهدف الأسمى لجل القنوات التلفزيونية والجرائد والمواقع الإلكترونية – إن لم أقل كلها – هو الحصول على عدد أكبر من المشاهدات لمقالاتها، وفيديوهاتها، وذلك عبر مختلف الطرق والوسائل، ولو كان ذلك على حساب طمس الوعي الإنساني عمومًا، والعربي خصوصًا.

فاتجهت الكثير من وسائل الإعلام الحديثة إلى نشر التفاهة بكل أنواعها في سبيل الحصول على المزيد من النقرات والمشاهدات.

واتجهت أخرى إلى نشر الإشاعات والأخبار الخاطئة بسرعة دون التحقق والتأكد من مصداقيتها مما تسبب في نشر الكثير من الإشاعات المغلوطة والخاطئة في مختلف أنحاء العالم فيما يسمى بـ(Fake News)، التي تعاني منها الكثير من الشخصيات السياسية، والدينية، والثقافية.

بالإضافة إلى أن العنوان بالنسبة لوسائل الإعلام هو جوهر المقالة أو الفيديو، فلابد من أن يكون العنوان مؤثرًا في شخصية القارئ أو المشاهد حتى يرغمه على النقر، فتجد أن الكثير من وسائل الإعلام تتجه إلى صياغة الكثير من العناوين المضللة التي لا تعبر على محتوى المقالات والفيديوهات.

دون أن ننسى تهافت الكثير منها لنشر كل فضيحة – وخصوصًا الجنسية منها – أيضًا في سبيل النقرات، ونشر بعضها الآخر لأفكار الغالبية في سبيل ما يتم دفعه لها من دعم من جهات مساندة لتلك الأفكار، وطمسها في المقابل لأفكار المضطهدين الذين لن يقدموا أي دعم لها، حيث يقول الناشط الحقوقي الأمريكي مالكوم إكس في هذا الصدد : وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديهم القدرة على جعل المذنب بريئًا، وجعل البريء مذنبًا، وهذه هي السلطة لأنها تتحكم في عقول الجماهير ويضيف قائلًا: إن لم تكن فطنًا فإن الجرائد وسائر وسائل الإعلام ستجعلك تكره المضطهدين، وتحب الذين يمارسون الاضطهاد.

في حين يجب على وسائل الإعلام أن تكون سببًا في نشر الثقافة والعلم وتنوير الأمم وتذكيرها بقضاياها، ومعالجة هموم حاضرها ومشكلاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد