لا شك أن العالم أصبح جزءًا بسيطًا بفعل وسائل التواصل ومنصاته المتعددة فما بين فيسبوك وتويتر وإنستجرام والمواقع الإلكترونية غير المحددة والمحدودة، ولم يعد هناك سلطان على هذه المنصات والمواقع وعليه فإن دور هذه المنصات اليوم ليس كالأمس، فهو في تطور كبير على مدار اللحظة فبالأمس القريب كنا نحتاج مسجلًا لتسجيلات الدعاة أو السياسيين، اليوم تستطيع أي شخصية مؤثرة أو غير مؤثرة أن تبث لنفسها بثًا مباشرًا يتحدث ويراه الآلاف من الاصدقاء.

ومن المعلوم سلفًا أن للسوشيال ميديا مجتمع متواصل متعارف فيه الخبيث والطيب المجتهد والفاشل الساعي لتطوير ذاته والجالس فقط لنشر الرذيلة، فهو مجتمع قائم فيه الصالح والطالح والمتجمل والتقي، والسرائر إلى الله عز وجل. والجميل في هذا المجتمع أن يستطيع ترجيح كفة على أختها في قضايا الناس بفعل التفاعل والنقاش والإقناع بين الناس وبعضهم البعض، ويقينا كله خير، فالحوار يفتح آفاقًا للمعرفة وتصحيح الأخطاء.

إن مجتمع السوشيال ميديا اليوم لم يعد تسلية للوقت بل أحيانًا يكون فاعلًا ومغيرًا للواقع، ولا ننسى أن ثورة يناير بدأت بدعوات من صفحة على فيسبوك كذلك، فإنها وفي فترة قريبة أقام هذا المجتمع واتحد على إقالات لبعض الشخصيات من أصحاب المهام التنفيذية اعتراضًا على تجاوزات اعتبرت إهانة للشعب المصري، كعبارة «لا يصح أن يكون ابن عامل النظافة قاضيًا» التي خرجت من لسان أحد المسؤولين وقبلها من تجرأ على النبي صلى الله عليه وسلم في عرض كلامه عن القضاء والأحكام قائلًا هحبس الرسول ثم تابع حتى لو المخطئ نبي، ونجحت حملة مجتمع السوشيال ميديا وأقيل هذا المسؤول.

واليوم يفرض مجتمع السوشيال ميديا واقعًا جديدًا فإنه وبرغم التضييقات التى تنتهجها بعض الدول الديكتاتورية إلا أنه حتى الآن لا زالت له كلمة مسموعة تقلق عروش ملوك ونظم، وليس هناك أدل على ذلك من اعتقال الكثير من الدعاة بسبب منشوراتهم وإبداء آرائهم على منصات التواصل.

والسؤال الآن.. ما هو المطلوب من هذا المجتمع؟

إن مجتمع السوشيال ميديا عليه أن يعزز ثقته في نفسه يومًا بعد يوم ويكتسب ثقة ذاتية تعود على الأفراد بداية من نشر آرائهم والتفاعل معها وصولا لحشد الجمهور لتبني قضية أو رد مظالم أو فضح مجرم فإنه وإن تعذر هذا واقعيًا فإن إنكار المنكر متعدد والقلب أضعف الايمان ومجتمع السوشيال ميديا يغير المنكر اليوم بيده وبلسانه ونشر الوعي بين الناس.

الأمر الثاني: التحذير من الفرعيات

برغم أن الحرية مكفولة للجميع الآن وإن الكبير لا تأتي منه الصغائر لذلك من المعيب أن ينشغل هذا المجتمع الواعي بقضايا فرعية تصعد ببعض التوافه إلى السماء لأنه تجاوز العرف مثلا أو فتح بابًا جدليًا لا طاقة منه فيحدث حالة من الرد والنقاش في أمر لن ينبني عليه تغيير أو عمل، فالأولى بالوقت هو نشر الفضيلة أو فضح طاغية أو السعي لإثبات حقوق بشتى الوسائل، وفوق كل هذا السعي لرضا الله في كل حرف يكتب.

والمضحك أنك مثلا تجد قضية منتشرة كالتعدد وينبري لها الكثير إما مؤيدًا أو رافضًا، والعجب أن الكثير من المتابعين وبفعل الأوضاع ربما يكون خارج البلاد أو بينه وبين أهله مسافات وبحار، فهو لا يستطيع أن يحيا مع أهله أصلا كي يثمن أو يرفض أصلا التعدد مع كامل التوقير لكل الآراء وطبعا لا مجال للمزايدة علينا بأننا نسخر من الشرع، فهذا أمر آخر، لكن الدنيا بها قضايا أوسع من ذلك، هي لها الأفضلية في النقاش والكل يعلم ذلك.

الأمر الثالث: وقولوا للناس حسنًا

إن المجتمع الذي يضع مرآة على الأفكار والألسنة ربما لن يطول بريقه لكن المجتمع الذي ينجح في استيعاب بعضه بعضًا حتى لو كان هذا المجتمع افتراضيًا هو الناجح، لذلك فإن انتشار نغمة التخوين والمزايدات بين هذا المجتمع هو داء عضال حقيق أن يعالج، كذلك من غير المقبول أن نشهر في وجوه كل من ينتقد سيوفًا معطلة أو يستدعي السيرة في مواقف ويتركها في أخرى.

ونحن فى المجمل مطالبون بالعلم والعمل والوعي الحقيقي الذي يبني مجتمع قويًا.

إن انتشار السباب في مجتمع السوشيال ميديا سواء تصريحًا أو تلميحًا من الأمور المحزنة، خصوصًا أن الجميع فى مركب واحد وسط أمواج عاتية، والنبي يقول أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا، لذلك فالحذر من الزلل دون شعور.

رابعا وأعرِض عن الجاهلين

إن السوشيال ميديا كما فيها النجوم والكواكب والعوام، فيها الجاهلون والجهل هنا نوعان، جهل بالدين وجهل بالدنيا، الأول: فالمرء معذور لأنه لا يعلم فإذا علم فلا عذر عليه، والبعض في مجتمع السوشيال ميديا يكتب أحيانًا كلمات إلحادية بل يعترف بذلك، بل هناك مجموعة للإلحاد والفسوق بدعوى التحرر وهذا معروف، مثل منشور تراه منتشرًا فحواه أن صاحبه أعلن إلحاده بعد فترات من التفكير، وهؤلاء بين الشفقة والحسرة.

فهو إما يسعى للتحرر وفعل ما يريد بلا قيود وضوابط، وهو يعلم أن هذا المسار خطير، وآخر أعجبه الأمر وما آلت نفسه إليه ولبريقه فزلت قدمه دون وعي وفهم، وهذا الصنف يجب السعي لانتشاله سريعًا.

وأما جهل الدنيا فهو عدم إلمام البعض بخبايا بعض القضايا وفي الأغلب تكون سياسية، فينتشر النزاع والشقاق ودومًا يصل الأمر في نهاية المطاف إلى استخدام خاصية «البلوك» على منصات التواصل، وعليه فإن المرء ليس في حاجة للتبرير والإصرار على أنه صواب، فيكفيك أن تعي أنك على صواب أو تسعى إليه أو تسير إليه، ثم تعمل بوعي وفهم واستيعاب، فلا تخوين أو خسران، فالناس جميعا سيقفون فردًا أمام الله يحاسبهم على كل مثقال ذرة «وقفوهم إنهم مسؤولون».

ختامًا

هذا أشبه ما يكون برفع الواقع، ونصيحة محب حريص على أن نصل بمجتمع السوشيال ميديا إلى قوة وعي حقيقة بلا تعطل أو كسل أو حرث في النهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد