فجأة انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» ومواقع الجرائد الإلكترونية أشرطة فيديو لزوارق «الفانطوم» والهجرة الجماعية من شواطئ الشمال و«اللايفات»؛ انتشرت أشرطة مؤلمة لأشخاص أُفرغوا بالقوة من مساكنهم العشوائية ليجدوا أنفسهم يفترشون السماء، كما انتشر موضوع مقتل حياة بتطوان؛ وانتشر موضوع المحتجين المطالبين باللجوء الإنساني إلى إسبانيا، موضوع تدوينتي سأتحدث فيه عن إفراغ السكان من سكناهم في الدار البيضاء وظاهرة الهجرة التي انتشرت.

السؤال الذي لم أجد له الإجابة هو: أين تكون السلطات المحلية والمنتخبة حينما يأتي أحد المواطنين ويضع اللبنة الأولى لبراكته على أرض معينة، لتتسع وتكبر هذه الهوامش ويألف أهلها الوضع ويتكاثرون، والغريب أن للسلطات أعينها أينما حلت وارتحلت، أليس الرشوة وغض الطرف والاستغلال سيد هذا الانتشار لتصبح المعاناة والمشاكل حين يلجؤون لهدمه وتفريقه، وبمشاهد مؤلمة، أليس هناك حساب وعقاب لأي شخص أو مجلس على استفحال هذه الأوضاع؟ ألم تفكر هذه المجالس المحلية في طرق ناجعة ومحكمة بقوانين لتنظيم المدن وهيكلتها ونظافتها سواء تعلق الأمر بالسكن أو التجارة أو الحركية لماذا نرى العشوائية واحتلال الملك العمومي والاكتظاظ؟ كان لدينا كثافة سكانية عالية أليس هناك حلول للسكن للمواطنين الذي أصبح الهاجس الأكبر تأمين حياته، ألم يجدوا طرقًا لتخفيض الإيجار بالنسبة لذوي الدخل المحدود؟ أين نسير أمام تدهور القدرة الشرائية وتكاليف العيش؟ لقد أرهقتنا العناوين البراقة والكلام بدون فعل على أرض الواقع، ولافتات التنمية البشرية، نريد قوة التسيير والتدبير للمجالس المحلية والمنافسة لتقديم مدن أكثر جمالية وأقل فقرًا، نريد الدخول إلى هوامش المدن والأحياء الشعبية لتنطيمها هناك، حيث تعشش الهشاشة والفقر للأخد بيد المواطن وتأطيره وإدماجه ليجد العيش الكريم وينعم بجزء من خيرات بلاده، فالوطن ليس انتماء فقط بل واجبات وحقوق وكرم العيش وحب متبادل يحدثه القائمون على التسيير والتدبير بإخلاص وتفاني.

فعندما تنتشر مثل هاته الظواهر المتمثلة في إفراغ المواطنين بالقوة من سكناهم التي ألفوها، يخرج شباب هاته الأحياء مهددين بالرحيل ومطالبين بتغيير جنسياتهم، للهجرة أسباب وخلفيات عديدة، لكنها حتمًا تتعلق بواقع القهر الاجتماعي والبطالة في المقام الأول، وحين تزيد الأوضاع السياسية البئيسة قتامة فإنها تدفع الجميع إلى الهجرة، حتى من توافرت له بعض الظروف الميسرة للحياة أصبح يحلم بالهجرة، خصوصًا في أقاليم الشمال.

إن تطوير الصحة أو التعليم أو غيره يقتضي أن تنظر الدولة للمغاربة باعتبارهم مواطنين، تطوير المنظومة الصحية والتعليمية يتطلب وقف نزيف الفساد الذي ينخر ميزانية الدولة، يقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، يتطلب الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة، أي يتطلب ما لا يمكن للمغرب أن يوفره لأن المستفيد من الفساد والزبونية، وسيلته الوحيدة في الحفاظ على مكاسبه هي الجهل والأمية والتخلف.

زد على ذلك ظلامية الأفق، فالوضع الاقتصادي لا يبشر بالخير، والمنظومة التربوية والتكوينية لا تقوم بأدوارها في صنع الأفكار وفرص العمل، زد على ذلك أيضًا ما تعرضت له بعض المناطق خلال السنتين الأخيرتين من خنق وقمع.

الحل يكمن في إعادة زرع الثقة من جديد في عقول ونفوس المغاربة، تلك الثقة التي تعيد الوهج من جديد للمجتمع؛ فالتدافع السياسي والاحتجاجي الذي وقع في المغرب هو بمثابة مصباح أخضر يومض بقوة ليعلن صحة وقوة المجتمع، أما الخنق والقمع فلن يتوهج بسببه سوى المصباح الأحمر الذي ينذر بالشؤم وقتامة المستقبل.

رجاءً أعيدوا لنا مصباحنا الأخضر اللامع، وتعاملوا مع الشباب بالتكوين الصلب وفتح الأفق أمامهم ليصنعوا أمجادهم ومستقبلهم، رجاء لا تدفعوا سواعد وأدمغة المغرب للبلاد الأخرى لتصنع أمجادها بهم، فالهجرة طاعون جديد يضرب المغرب وسيصيبه حتمًا بالخراب إذا تركت الأمور بهذا الواقع المعيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!