نعيش اليوم في عصر التكنولوجيا الحديثة، ذلك العصر الذي انطلق كالصاروخ ولا يوجد مفر من عدم التواؤم معه أو طريقة لإيقافه؛ فمع مرور الوقت أصبح عالم التكنولوجيا في تزايد أكبر وانتشار أوسع.

فقد كان الهدف الأساسي في بداية الأمر هو ابتكار شيء يعين المرء في أعماله، وأن يخفف من أعباء العمل الشاقة، ويكون له متسع من الوقت في قضاء وقت ممتع مع أسرته بدلاً من الرجوع منهكاً من عبء العمل لا يستطيع الحديث والمشاركة الأسرية.

ومع مرور الوقت ومع كثرة الاختراعات أصبح رب الأسرة سعيدا بإنجاز أعماله وإتاحة وقت فراغ أكبر له، بل ووجود إجازة أسبوعية على الأٌقل للترويح عن النفس.

لكن مع الأسف لم يستمر هذا السمر الأسري كثيراً؛ ففي آواخر القرن العشرين ظهرت القنبلة الموقوتة التي أودت بالدمار الأسري، ألا وهو ظهور الهاتف المحمول “الموبايل” ذلك الجهاز الصغي الذي كان في البداية مجرد وسيلة للاتصال عن بعد لمكالمة أي شخص في أي وقت وفي أي مكان كان.

فهو كان كالهاتف الأرضي يقوم بإجراء المكالمات، لكن ما حدث فيه من تطور هو سهولة التنقل به في أي مكان، ومن الناحية النفسية خلق شيئا من الطمأنينة في سهولة التواصل عن بعد، وبمرور الوقت، ومع تطور التكنولوجيا بشكل غير متلاحق أصبح ذلك الهاتف تتزايد فيه إمكانات عديدة، وهنا نذكر ظهور البطل الأعظم وهو ظهور الإنترنت.

أعلم أيها القارئ أن الإنترنت يعد من ثورات التطور التكنولوجي، وأنه قد أنجز العديد من الأعمال التي كانت قد تأخذ عقودا لإتمامها؛ لكنني لا أتكلم من الناحية العملية، وإنما اخص الذكر من الناحية الاجتماعية.

فكان في البداية وجود الإنترنت في المنازل لإتاحة فرص للشباب للتعلم والتثقيف والتعرف على الحضارات والتواصل عن عد مع أشخاص من دول أخرى كنوع من التبادل الثقافي، لكن مع الوقت ظهرت شركات التواصل التواصل الاجتماعي “كالفيس بوك والواتس آب وتويتر” وغيرها بغرض التواصل مع الأصدقاء والأقارب.

لماذا أقول ذلك؟

أقول ذلك لأن تلك الشركات استغلت عقول هؤلاء الشباب وأصبحت في تنافس مستمر لإظهار خدمات جديدة تجذبهم أكثر وأكثر، فأصبح يوجد نوع جديد يا عزيزي القارئ من الإدمان وهو إدمان الإنترنت.

فالإدمان فقط لا يقتصر على تعاطي المخدرات كما يظن البعض، وإنما يشمل أيضاً إدمان الموبايل الذي أصبح مكبلاً في الأيدي لا يستطيع المرء التخلي عنه ولو لدقيقة واحدة، فأصبح كالصديق والرفيق الشديد لا نستطيع تركه مهما كانت الظروف.

أعود بكم إلى نقطتي التي ذكرتها في عنواني وهي لماذا أطلقت اسم “وسائل الفراق الاجتماعي” فمن المفترض أن يكون “وسائل التواصل الاجتماعي”؟ فهي تعمل على تواصل وتقارب الأشخاص والتعرف على أصدقاء جدد من خلال الإنترنت من بلدان مختلفة والابتعاد عن التحدث مع الأسرة وقضاء وقت ممتع معهم، فهي تعمل على التقارب مع الأصدقاء الذين ربما لم يجلسوا مع بعضهم البعض لعدة أشهر أو سنين؛ بسبب اظروف المعيشية التي انشغلوا بها، فهي الوسيلة التي يتواصل بها الأقارب الآن كنوع من تقليل الزيارات العائلية والجلوس مع بعضهم الآخر أو على أقل تقدير أصحبت الأسرة تقوم بمكالمة هاتفية يهنئ بعضهم الآخر في الأعياد بدلاً من القيام بالزيارات العائلية، فالطبع إنني اسخر من كل ما سبق، ففعلياً كل تلك الوسائل التقنية الحديثة قامت بالتفرقة الاجتماعية.

ويمكن القول إن كل ما سبق هو أمر هين، فالأصعب من ذلك هو تجمع الأسرة في غرفة واحدة، لكن مع الأسف تكبل كل واحد منهم بجهازه الصغير الذي ينشغل به، كل واحد بعيد عن الآخر؛ فالطفل الصغير يقوم باللعب على الجهاز والابن الأكبر يقوم بالتواصل مع أصدقائه والتحدث معهم، والأم والأب يكونون منشغلين في إتمام أعمالهم ومكالمتهم التي تخص العمل، والتي لا تكون فقط في فترات العمل الرسمية، بل تمتد إلى ما بعد ذلك.

فإذا قمنا بالرجوع للوراء في تسعينات القرن الماضي سوف نجد أنه كان ثمة يوم الإجازة، وهو يوم التجمع الأسري الذي تتجمع فيه العائلة والجلوس معاً دون وجود أي عوامل أخرى خارجية تعمل على تشتيتهم.

وإذا أخذنا مثالا يمكن أن نحتذى به؛ فلا يوجد أفضل من “ستيف جوبز” مؤسس شركة “أبل” تلك الشركة العالمية في صناعة الهواتف والحاسوب وغيرها من أجهزة التواصل، وبالرغم من كل تلك الاختراعات التي قام بها، ومن نجاحاته في عالم التكنولوجيا، إلا أنه صرح في مرة، وقال إنه لا يقوم بتوفير الهواتف والأجهزة التكنولوجية الحديثة في منزله حرصا على سلامة أبنائه.

فإذا قمنا بسؤال أنفسنا فإننا لن نجد إجابة مقنعة لما فعله ستيف سوى أنه أب يعلم جيداً ما الأضرار الواقعة على تلك الأشياء التي يبتكرها لذلك فهو يمنعهم من استخداها حرصا عليهم.

لكنني، وبالرغم من ذلك فإنني لا أقول إن وسائل الاتصال والتكنولوجيا هي شيء سيئ للغاية، أو أقول إنه يجب منعه، بالطبع ذلك يخالف العقل والمنطق؛ لأنه كما يكون لهذه الوسائل السلبيات، فإن لها العديد من الإيجابيات؛ لكن ما قمت به أنني حاولت قدر المستطاع إبراز ما في تلك الوسائل من عيوب، والتي لا يلاحظها البعض، أو من الممكن للبعض ملاحظتها، لكن عدم التغيير أو الاهتمام بها.

ويتبقى أخيراً يا عزيزي القارئ شيء أخير، وهو أن ترى إلى أي مدى أصبحت متعلقاً بتلك التكنولوجيا وقارن تعاملك وتواصلك مع من حولك في السابق والآن فإذا رأيت اختلافا وبُعدا في التعامل معهم فقم بالرجوع قليلاً إلى الوراء واعمل على إعادة التواصل مع من حولك؛ لأنه مهما انشغلت بالأعمال فيجب أن تضع في ذهنك أن لعائلتك وأصدقائك المقربين حق عليك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد