شهدت الساحة الصومالية أزمات سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، واقتصادية نتج منها تبدد قبلي، وطائفي، وسياسي بين مكونات الشعب الصومالي، فظل التوجه الإصلاحي في المجتمع الصومالي – بكل أطيافه – يشابه نوعًا من التفكك والانهدام، بسبب ضمور الدور الفعلي للقبيلة، والذي أصبح واضحًا وضوح الشمس في كبد السماء.

والحق يقال إن القبلية الصومالية مترددة بين الوطنية والمعارضة، وتبعًا لذلك تشكلت هذه الأزمة متعددة الأبعاد والأطراف، ولهذهِ الأزمة تداعيات كبيرة على مكون أطراف الشعب، وشكلت عقبة أساسية أمام بناء الدولة الصومالية والمؤسسات الوطنية في الصومال، فتأتي الحاجة للمصالحة الاجتماعية كأحد أهم السياسات الناجحة لمعالجة الصراعات السياسية والعنف الذي تعانيه الحياة السياسية في الصومال، وتعد أهم ما قد يجمع بين الشعب الصومالي وعدم العودة إلى مشكلات الماضي، وهذا الارتكاز يتطلب تحقيق السلام والتعايش عبر المصالحة الاجتماعية الشاملة.

ملفات المصالحة الاجتماعية الصومالية

يشكل ملف المصالحة الاجتماعية أهم ملفات الأولوية الصومالية، وربما أدركت القوى الفكرية والأكاديمية الصومالية، فلا بد أن يكون هذا العمل من الصف الأول وفي إطار لجنة حقيقية للمصالحة الاجتماعية المنبثقة عن الحوارات واللقاءات بين الأطراف الصومالية.

للأسف الشديد ينظر البعض إلى المصالحة الاجتماعية على أنها قوة الحكومة الفيدرالية في كل الأقاليم الصومالية، والبعض ينظر إليها على أنها تأتي من قبل السياسيين فقط، والآخرون يرون أن المصالحة ليست ضرورية!

على الرغم من أهمية تلك الخطوة، ولكن تداعيات الانقسام تترك آثارًا سلبية في قلوب الشعب الصومالي، وربما يسأل البعض عن علاج القلوب، فأقول: إذا كان نظامنا الاجتماعي الصومالي منذ استقلاله، وحتى قبل ذلك، يتغذى نسيجه الاجتماعي بثقافة تقوم على غياب العدل السياسي بين الأنظمة السياسية، وأخذت تلك الظاهرة بالتنامي حتى وصلت إلى منعطف خطير يقوم على غياب الثقة بين أفراد المجتمع، وهذا ربما ناتج من غياب الديمقراطية داخل مجتمعنا الصومالي، ولذلك نحتاج إلى تصحيح المسار، وقد يكون الشباب المثقف الصومالي هم الأجدر لقيادة مرحلة التصحيح.

وهنا تقع أهمية المصالحة الاجتماعية عبر تشخيص الأمراض المزمنة في المجتمع، والعمل على إعادة دراسة الحالة الصومالية بكل أطرافها، وصولًا إلى تحقيق مبدأ التفاهم في المجتمع، ثم التسامح فيما بينهم، وبعد ذلك يأتي الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولو نجحنا في المصالحة الاجتماعية على أفضل، وجه وشاركنا جميع آراء مجتمعنا، فإننا قد وصلنا إلى تأسيس أنظمة اجتماعية يمكن للإنسان الصومالي الحياة في ظلها.

متطلبات تحقيق المصالحة الصومالية

المصالحة الاجتماعية الصومالية لا بد لها من متطلبات أساسية، والتي من المفترض أن تطبق أساس التفاهم والتعايش في المجتمع، ومن أهمها:

1. الاعتراف بالخطأ والاعتذار عن الظلم أمام المجتمع.

2. اشتراك جميع القوى الفاعلة في هذه المصالحة.

3. بناء الثقة بين أطراف المجتمع.

4. تطبيق العدالة وشروط المصالحة.

5. ضرورة معالجة الخلافات بين الأقاليم والمحافظات والمدن.

أعتقد أن هذه المتطلبات ستمهد لتحقيق المصالحة الاجتماعية في الصومال.

ختامًا، إن الوضع في الصومال يقتضي تطبيق تجربة المصالحة الاجتماعية وطرح إمكانية الاستفادة من تجارب المصالحة الاجتماعية المطبقة في العديد من بلدان العالم، ومنها بشكل خاص دولة رواندا، ففي حين يواجه المجتمع الصومالي كثيرًا من التحديات، وصراعًا مريرًا مع دول الحدود والإقليم، فإن أمامنا فرصة في انتعاش البلاد اقتصاديًّا وسياسيًّا، وأن يختار الشعب من يحسبه أنه في خدمة مصلحتهم ويسعى في تطوير البلاد، فلا العصبية تجتذبه ولا المصلحة الخاصة تستعذبه، وينطوي أمل الشعب في التوافق للوطن وللمصلحة العامة، وتعالج القضايا الحالة والأزمات القاتمة بشكل رسمي وجهود مخلصة على طريق المصالحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد