يؤكد الخبير السيكولوجي الأمريكي أبراهام ماسلو (1908 – 1970) أن السلوك الإنساني مرتبط بالمحفزات التي تساعده على إشباع احتياجاته المختلفة، ولفهم طبيعة هذه الاحتياجات افترض ماسلو أن الدوافع الإنسانية متباينة من حيث الأولوية والتأثير، وقام بتصنيفها بشكل تدريجي – بناء على درجة إلحاحها – إلى خمس مجموعات رسمها على صورة هرم اشتهر باسمه “هرم ماسلو”.

 

الرفض
يشير المستوى الثالث إلى حاجة الإنسان إلى الشعور بالحب والانتماء، وهذا الشعور يكتسب أهمية خاصة لأنه يتصل بشكل مباشر بوضعية الفرد في المجتمع، ويحقق له شكلا من “الكينونة” ويحميه من الشعور بالعزلة، كما يشير المستوى الرابع إلى حاجة الإنسان إلى التقدير الذي يشعره بقيمته الذاتية واحترام الآخرين له.

هذان المستويان المذكوران أعلاه يتعاضدان مع بعضهما ويشكلان حاجزا يقي الإنسان من الوقوع في براثن العذاب النفسي الناتج عن مشكلة “الرفض الاجتماعي”، ومختلف أشكال النبذ والإقصاء الذي قد يمارسه المجتمع على الفرد، لأسباب سياسية أو عرقية أو طائفية أو اقتصادية.

ما المقصود بالرفض الاجتماعي؟

الرفض الاجتماعي هو: “عدم التفاعل اجتماعيا مع فرد ما بصورة متعمدة، وإقصاؤه من دائرة العلاقات بشكل أحادي أو جماعي”، وتتخذ عملية الإقصاء أشكالا مختلفة؛ بداية من ممارسة العنف والبلطجة ومرورا بالسخرية والتهكم وانتهاء بالتجاهل أو “المعاملة الصامتة”.

الدافع الأساسي لدى الإنسان في تكوين شبكة علاقاته الاجتماعية هو دافع غريزي أساسا؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه؛ والإحساس بالعضوية في المجتمع مكون رئيسي في الهوية الشخصية، والفرد يقيس احترامه لذاته عن طريق رصيده من العلاقات الاجتماعية الحسنة.

ولهذا السبب يعتبر انخفاض منسوب احترام الذات مؤشرا على تعرض الفرد لصورة من صور الرفض أو النبذ الاجتماعي، و”حسب الخبير النفسي مارك ليري – الذي أجرى في جامعة ديوك الأمريكية أبحاثًا في مجال تأثير الرفض على الشخصية – فإنّ تقدير كلّ منّا لذاته في الواقع هو المقياس الأساسي لطريقة تعاطيه مع الغير”.

 

 
الرفض1

وتؤكد الدراسات الاجتماعية أن الخوف من الرفض هو الأساس التحفيزي الذي يدفع الإنسان إلى التوافق مع ضغط الأقران والامتثال لتقاليد المجتمع بل ومطالب الآخرين، فجميع البشر – حتى الانطوائيين – يحتاجون إلى حد أدنى من القبول والمودة حتى يشعروا بالاطمئنان، ومن الصعب احتمال الرفض الاجتماعي الموجه أو الممنهج – كالطائفية والعنصرية والقبلية – حيث يساهم في تعميق مشاعر الكراهية والحقد لدى الأفراد والأقليات في الغالب.

التأثير السيكولوجي للرفض الاجتماعي

كثير من الأطفال يمرون – بصورة أو أخرى – بتجربة رفض اجتماعي في إحدى فترات حياتهم، فمثلا: الطفل الذي يأتي في آخر قائمة من يتم اختيارهم للعب كرة القدم في المدرسة، والطفل الذي لا يجد أحدا يرغب بتناول الطعام بصحبته خلال فسحة الإفطار، والطفل الذي فشل في إقناع أقرانه بخفة دمه أو حدة ذكائه أو قوة جسده، هذا الصنف من الأطفال غالبا ما تتشكل لديه نزعات العزلة التي تتطور مع بلوغه إلى ميل حاد للانطواء عن الناس، أو عدوانية جارفة تجاههم!

 
هذه النزعات العدوانية والانعزالية تناولتها بالتفصيل دراسة للباحثة كارين بيرمان من جامعة ولاية بنسلفانيا؛ حيث قسمت أنماط السلوك الناتج عن الرفض الاجتماعي إلى أربعة أقسام:

1- انخفاض درجة الاهتمام بالشأن العام؛ ويمكن ملاحظته في قلة أو انعدام المبادرات التطوعية لخدمة الآخرين.

2- ارتفاع منسوب الغضب والاستياء اللامبرر؛ ويتجسد في الإصرار على ارتكاب الأعمال العدوانية وتكرر السلوكيات المضطربة.

3- ازدياد نسبة التهور والتسرع في اتخاذ القرارات؛ ويتجلى في الإقدام على سلوكيات محرجة وممارسات غير ناضجة.

 

 
4- شدة القلق والتوتر وسرعة الانفعال؛ ويظهر في الحساسية تجاه النقد والخوف من الآخرين والعجز أوالفشل في تكوين علاقات شخصية طبيعية مع الناس.

 
وأظهرت دراسة ميدانية تم إجراؤها على 15 مدرسة أمريكية جرت فيها أحداث إطلاق نار بين عامي 1995 : 2001 – ونشرت في كتاب بعنوان (السلوك العنيف) من تأليف مجموعة من الأخصائيين النفسيين الأمريكيين – أن 87% من هؤلاء الطلاب الذين أقدموا على إطلاق النار على زملائهم قد تعرضوا لفترة طويلة للرفض والإقصاء من قبل أقرانهم.

الرفض الاجتماعي وآلام الجسد

الألم والكرب الذي يسببه نبذ المجتمع لفرد ما ليس مقصورا على الجانب النفسي، بل هناك من الدلائل العلمية ما يؤكد أن ألم الرفض الاجتماعي يؤثر على أجسادنا بشكل مباشر، فعن طريق استخدام لعبة إلكترونية تسمى بـ Cyberball “السايبر بول”.

قام كل من د. نعومي إيزينبرغر من جامعة كاليفورنيا و د. كيبلينغ ويليامز من جامعة بوردو – وهما باحثان وطبيبان نفسيان – بإثبات تفاعل الدماغ مع ألم الرفض الاجتماعي بنفس الطريقة التي يتفاعل بها مع ألم وخز إبرة في الجلد.

في “السايبر بول” يتم الطلب من المتطوعين المشاركة في اللعبة، وفي نفس الوقت يتم رصد تدفق الدم إلى أدمغتهم من خلال جهاز الرنين المغناطيسي MRI، يشارك المتطوع في اللعبة إلكترونيا مع شخصين آخرين، ولكن فجأة يتم تجاهله في اللعب، ويستمر الشخصان الآخران في اللعب بعد إقصائهما له.

 

 
تأثير هذا الإقصاء رصده جهاز الرنين المغناطيسي في دماغ من تعرضوا له من المتطوعين في صورة ارتفاع نشاط منطقتي الجزيرة الأمامية anterior insula أو”المنطقة الحلوة” المسئولة عن العواطف والوجدان، ومنطقة الظهر الأمامي للقشرة الحزامية the dorsal anterior cingulate.

تقول نعومي: “فيما يتعلق بدماغنا فعلينا أن ندرك جميعا أن ألم انكسار القلب لا يختلف كثيرا عن ألم انكسار الذراع”!

هذه النتائج طرحت على نعومي وكيبلينغ هذا التساؤل: “إذا كان ألم الرفض الاجتماعي ألما فيسيولوجيا يمكن قياسه، فهل من الممكن التخفيف منه باستخدام الأدوية والعقاقير التي تسكن الألم؟”

للإجابة على هذا التساؤل قام الباحثان بتقسيم المتطوعين الذين تعرضوا للإقصاء في لعبة “السايبر بول” إلى مجموعتين، وقاموا بكتابة وصفة طبية لإحدى المجموعتين لتناول جرعات من دواء أسيتامينوفين (Tylenol) يوميا لمدة ثلاثة أسابيع، وبعد مراجعة التقارير اليومية ونتائج جهاز الرنين المغناطيسي تبين انخفاض نشاط الأجزاء المسؤولة عن الألم في أدمغة المجموعة التي تناولت جرعات الأسيتامينوفين – عقب تكرار اختبارهم في “السايبر بول” – مقارنة بالمجموعة التي لم يتم وصف الدواء لها.

عذاب الرفض الاجتماعي

عندما يتعمق إحساس شخص ما بأنه منبوذ – نتيجة الرفض الاجتماعي المتكرر له – فإن كيانه يمتلئ بأشد مشاعر المرارة إيلاما وأكثرها قسوة، تدور الدنيا برأسه وهو يتساءل عن سبب احتقار الناس له وتباعدهم عنه، يتعاظم إحباطه مع مرور السنين، وتتأكد مخاوفه في وضاعة شأنه وتتلاشى ثقته بذاته.

يعاني الإنسان المنبوذ من قلة النوم وفقدان الشهية والخلل في جهاز المناعة مقارنة بأقرانه ممن يتمتعون بعلاقات اجتماعية ممتازة، ويزداد الأمر سوء إذا كان الرفض موجها بشكل جماعي تجاه مجموعة بشرية يراد إقصاؤها بشكل مقصود من حيز الفضاء الاجتماعي العام.

يبدو الغجر مثالا صارخا على الرفض الجماعي الموجه؛ فقد اشتهروا بأنهم أكبر طائفة إنسانية تعرضت للرفض الاجتماعي عبر التاريخ، وتعرضوا خلال مسيرتهم في هذه الدنيا لمختلف أنواع التمييز والازدراء من قبل جميع المجتمعات التي حطوا رحالهم فيها، اتخذت كثير من الإجراءات القمعية ضدهم وترسخت النظرة الدونية تجاههم، ويبلغ تعدادهم الآن نحو 40 مليون شخص حول العالم، وغالبا ما يقطنون في ضواحي المدن المهملة والأراضي النائية الخربة وفي المساحات التي تفصل بين حدود الدول.

الرفض الاجتماعي لفرد أوطائفة غالبا ما يؤدي إلى الاضطهاد، وهو ما حدث بالفعل للغجر في أوروبا حيث أجبروا على العمل كعبيد لدى الأمراء والأغنياء خلال العصور الوسطى، وقتل الآلاف منهم في أفران الغاز خلال حقبة النازية ضمن سياسة منهجية للتخلص منهم باعتبارهم “شعوبا منحطة وعناصر بشرية فاسدة”، ولا زالت المجالس التشريعية في إيطاليا وفرنسا حتى يومنا هذا مصرة على إصدار القوانين التي تمارس التمييز ضد الغجر، في دلالة لافتة على استمرار معاناة هذه الطائفة التي لم تتوقف حتى الآن.

يقول الشاعر الغجري ريسم سدجيك: “ما زلت أذكر، جلت العالم برفقة خيمتي، أبحث عن الحب والعاطفة وعن العدالة والسعادة، كبرت ولم أجد الحب بعد، ولم أسمع مفردة العدالة، إذن، أين تكمن حقيقة الغجر؟”.

ويقول شاعر غجري آخر: “لم أعرف أبدا أبي، وليس لي أصدقاء، ماتت أمي منذ زمن، وتركتني حبيبتي غاضبة، أنت وحدك يا كماني ترافقني في هذا العالم”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد