المُجتمعات الإنسانية تقوم على أساس التضامن والسِلم الاجتماعي، فالتضامن والسِلم ثُنائيّة تُشكل قاعدة أساسية للعُمران والتطوير والاستقرار الإنساني، وبدون هذه القاعدة لا يكون المجتمع صالحًا للعيش والاستمرار، والفرد داخل المجتمع يحتاج كحاجة أساسية للتعاون والتكافل بينه وبين الأفراد الآخرين ضمن المجتمع الواحد والشعور بالأمن والاستقرار الجماعي، والذي ينعكس على كل فرد داخل المنظومة الاجتماعية الواحدة.

واليوم في عالمنا العربي المُلتهب بأزمات اجتماعية مُعقدة وشائكة، قديمة ومُستمرة، أزمات تُحاصر الفرد والمجتمعات ترزح تحت وطأتها، في مثل هذا الواقع تَبرُز أهمية «التضامن والسِلم الاجتماعي»، كركيزة أساسية لإعادة الإعمار والتنمية الاجتماعية، وإعادة المُجتمع لحالة الوئام والسِلم والتعاون المُشترك في سبيل النهضة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

وأما في حياتنا اليومية، نُدرك ونرى بوضوح حاجتنا الماسّة لتعزيز مفهوم التضامن والسِلم الاجتماعي لدى الأفراد، فما هو مفهوم التضامن والسلم الاجتماعي؟ وما هي أهمية هذا المفهوم في حياتنا اليومية؟

ما هو التضامن والسلم الاجتماعي؟

بالرغم من أن التضامن والسلم الاجتماعييّن يرتبطان ببعضهما بعض ويُشكل أحدهما الآخر، إلا أنهما يختلفان من حيث المفهوم والمظاهر، فالتضامن الاجتماعي يُشير إلى مظاهر التعاون بين الناس الذي يُحقق التكافل الاجتماعي، وبالتالي تتعزز قيمة التعاون بين أفراد المجتمع الواحد، ويُمكن تعريفه أيضًا بأنه مُشاركة الجميع في الحفاظ على المصالح العامة والخاصة، ويلتزم كل فرد بأداء ما عليه من واجبات، وبالمقابل يتمتع بما لهُ من حقوق، ومن أبرز مظاهر التضامن الاجتماعي: التعاون بين الناس في المُناسبات المُختلفة، والتضامن مع المُعوزين من الفقراء والمساكين بتقديم المساعدة والعون لهم، والتضامن مع ذوي الاحتياجات الخاصة، والتضامن في إنجاز المشاريع العامة، كبناء أو ترميم وصيانة المدارس والمُستشفيات، ويُؤدي التضامن الاجتماعي لشعور الفرد داخل المجتمع المُتضامن بالعزة والكرامة كنتيجة لوقوف الناس معه، ويُصبح المجتمع تِبعًا لذلك مُتماسك ومُتلاحم ومُترابط.

أما السِلم الاجتماعي، فهو أساس الأمن والاستقرار في أيّ مجتمع، فكلمة السِّلْم تُقابل حالتيّ الحرب والصراع، وهو حالة السلام والوئام داخل المُجتمع نفسه، ويرتبط السِلم الاجتماعي بحالة العلاقات الداخلية في المجتمع، فسلامتها علامة على صحة المُجتمع وإمكانية نهوضه، يقول المُفكر مالك بن نبي» نستطيع أن نُقرر أن شبكة العلاقات هي العمل التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده. ومن أجل ذلك كان أول عمل قام به المجتمع الاسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الأنصار والمهاجرين» نفهم من هذا الاقتباس، بأن تحقيق السِلم داخل المجتمع هو عامل أساسي في تحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي، وفي حالة فُقدان السلم أو ضعفه، فإن الأمن يتدهور ويتزعزع الاستقرار، ومن مظاهر السِلم الاجتماعي: الاستقرار، وإطلاق الحريات، وتحقيق الرفاهية لجميع الأفراد، والبناء والتطوير المُستمر، والعمل بالقوانين والدساتير، والمساواة بين جميع المواطنين دون أيّ تمييز، وازدهار الحركة العلمية، وتحقيق الصحة العامة.

بعد المُقدمة وتوضيح المفاهيم، أودُّ الكتابة عن التضامن والسِلم الاجتماعي من حيث أهمية هذا المفهوم في حياتنا اليومية ومدى حاجتنا الفعليّة والماسّة إليه، ليكون نمط حياة في واقعنا الحياتيّ اليوميّ، ويُسهم في تنمية مجتمعاتنا وتطويرها من كلّ النواحي.

أبدأ بسؤال: ما هو الشيء الأساسي والمُهم جدًا الذي نحتاجه في حياتنا اليومية؟

قد تختلف الإجابة من شخص لآخر، لكنني سأُجيب إجابة هي ما دعتني وأثارت اهتمامي لكتابة هذا المقال، وهي: إننا نحتاج للتضامن الحقيقي بيننا، والمُفضي لسِلم اجتماعي يضمن لنا أن نعيش حياة فاعلة ومُنتجة، ويضمن لنا الشعور بسلام شخصي هو انعكاس عن سلام جَمعي، يكون الفرد بسببه مواطنًا صالحًا يقوم بدوره في نهضة مُجتمعه ووطنه، ولا يُعاني من القَلق والخوف، ويفتقد للطمأنينة والانتماء للمكان الذي يعيشُ فيه، فإن انعدام أو ضِعف التضامن والسِلم الاجتماعي يُؤدي بالضرورة لحالة من «الشلل الاجتماعي» إن صح التعبير، ونتيجةً لذلك يُصبح المُجتمع مكان كأنه مهجور وفارغ من الحياة.

واقعنا الحياتي ينطوي على الكثير من المُنغصات، وفي هذا الصدد ولأنني منذ أن بدأت في كتابة هذا المقال، وأنا ألاحظ التفاصيل اليومية وما مدى شعوري الشخصي بالسِلم الاجتماعي وما مدى تضامني مع الآخرين، أدركتُ الكثير من المُلاحظات وتبلورت في ذهني أفكار عديدة تتعلق بهذا الموضوع منها: مُساعدة الآخرين كأولوية، حتى بالكلمة، فعندما أستقلُّ الحافلة التي تُوصلني إلى مكان عملي أدخل وأُلقي التحية، وعندما أصل أشكر السائق، كامتنان وشُكر حقيقي لهُ، لأنه يقوم بعمل «عظيم» كعامل النظافة والبائع في الكشك والمُدرسين في المُحاضرات، وأصبحتُ أُدرك مدى أهمية «الابتسامة» في وجوه الزملاء، والتعاون معهم في شتّى الأمور الأكاديمية وغير الأكاديمية، ولابدَّ أن يكون التضامن والتعاون بين أفراد الأسرة أسلوبًا حياتيًا والشعور بهذا التضامن يُؤدي للموّدة ويُعزز المحبة بينهم لتنعكس على الحياة الاجتماعية العامة، وأدركتُ أيضًا بأن التغيير يبدأ من الذات، فأنا كفرد أتضامن مع الآخرين قدر الإمكان، وأُمارس التضامن في أبسط الأمور، لأنني أنتمي للمُجتمع وغايتي كما هي الغاية العامة للجميع النهوض بوطننا وجعله مكان ينعم بالسلام والتعاون والتضامن.

قد يبدو هذا الطرح مثاليًا جدًا أو كأنه يتناول أمور بديهية، كالتحية والشُكر، ولكن مَن مِنا لا تُسعده التحيّة بشكل أعمق من كونها مُجرد كلمات تُقال؟ أو يشعر بأهمية ما يقوم به عندما يُشكر؟ إن هذه الكلمات تنطوي على معاني إنسانية ساميّة تتجاوز البُعد الماديّ – الآليّ لأيّ عمل أو وظيفة يقوم بها الإنسان، إنها تأكيد على الإنسانيّة التي نكاد نفقدها في غمرة العمل المُضني والسعي وراء الربح الماديّ البحت، والذي يُؤدي بالضرورة لتلاشي روح التضامن الاجتماعي وفُقدان السِلم والأمان المُجتمعي.

إن الأمثلة اليومية المُرتبطة بمفهوم التضامن والسلم الاجتماعي كثيرة، لا يسعها هذا المقال الذي حاولتُ فيه أبراز أهمية ذلك المفهوم وأثره اليوميّ في حياتي كفرد من أفراد مجتمع مَدني يحتاج دائمًا لتعزيز وإذكاء روح التضامن والتعاون والتعاضد بين أبنائه جميعًا، دون تمييز، وللوصول إلى حالة من السِلم الاجتماعي التي نحتاجها جميعًا لحياة اجتماعية صحية من كل النواحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد