إن الداوعي الأساسية لكتابة هذا المقال، تتعلق بسببين رئيسين، أولهما ما جرى رصده من ملاحظات ميدانية في الحياة اليومية، حول موضوع التباعد الاجتماعي، وثانيهما منشور كنت قد اطلعت عليه مؤخرًا للدكتور عبد الرزاق أمقران، أستاذ في علم الاجتماع بجامعة سطيف 2، الجزائر، كان قد نشره على صفحته الخاصة على «فيسبوك»، ضمَّنه مؤشرات مهمة حول حقيقة التباعد الاجتماعي في المجتمع الجزائري.

وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن التباعد الاجتماعي لدى الغرب، هو مفهوم متجذر في الثقافة الغربية، وما ساهم في ترسيخه هي التحولات الوظيفية التي عرفتها المجتمعات الغربية في مرحلة الحداثة، والتي امتدت أكثر في مرحلة ما بعد الحداثة، ومن أهم الملامح أو الخصائص المميزة لها: النزعة الفردية، الحرية، الاستقلالية والخصوصية، ويمكن اعتبار التدابير الوقائية والصحية ضد جائحة كورونا الحالية التي أفرزت مفهوم التباعد الاجتماعي، ما هي إلا امتداد يظهر على المستوى الشكلي فقط، وإذا ما عدنا إلى المستوى القيمي، فالأفراد في الغرب يعيشون حياتهم الاجتماعية على مستوى معروف من التباعد الاجتماعي، يكاد يكون إحدى القواعد المنظمة لحياتهم اليومية، أو ما يمكن تسميته أسلوب حياة خاص.

وفي سياق واقع التباعد الاجتماعي لدى المجتمع الغربي يرى الدكتور أمقران أن «الخصوصية قبل كورونا لم تكن تتعارض مع الحياة الاجتماعية والجماعية، بل بالعكس الحدود بينهما واضحة جدًّا، وهذا ما يضفي على تلك المجتمعات مقومات التوازن. لكن مع كورونا اختل هذا التوازن وأصبح التباعد والخصوصية معًا أمرًا قاهرًا».

أما بخصوص المجتمع الجزائري، فبالرغم مما يميزه من الاختلاف في الخصوصية الثقافية والاجتماعية مقارنة بالغرب، على أساس أن الفرد في مجتمعنا مندمج في شبكة كثيفة من العلاقات والروابط الاجتماعية مثل: القرابة، الجيرة، الزمالة، الصداقة، والتي تلعب دورًا مهمًّا في الحياة الاجتماعية للفرد الجزائري، كونها تؤسس لقواعد السلوك اليومي للفرد، ولطبيعة الخطاب الذي يتعامل به الفرد في تفاعلاته اليومية مع الآخرين. لكن بالرغم من هذه الخصوصية الثقافية المشكلة لسلوكيات الفرد في المجتمع الجزائري، هل يمكننا فعلًا قول إننا اليوم محصنون ضد التباعد الاجتماعي؟

إن التباعد الاجتماعي في مجتمعنا من ناحية المفهوم، يرتبط لدى الوعي الجمعي للأفراد من خلال الظروف الحالية التي أفرزتها جائحة كورونا، وهذا ما يمكن تقديره على المستوى المفاهيمي بنمط استهلاك القوالب الجاهزة من الغرب، بحسب ما يشير إليه الدكتور أمقران، والذي أصبح مجتمعنا يعيد اجتراره، دون أن يساهم في إنتاجه.

والواقع أن التباعد الاجتماعي، أصبح يرتبط بالكثير من الممارسات والسلوكيات اليومية، التي يفعلها الأفراد في مجتمعنا، يشير الدكتور عبد الرزاق أمقران إلى بعض المؤشرات المهمة، من خلال سرد بعض الأمثلة الواقعية على نحو: إهمال المسنين في دور العجزة، المعايدة عبر الهاتف من خلال الرسائل النصية القصيرة، تفشي العزوبية في أوساط الشباب، وما أفرزته من تباعد اجتماعي عطل آلية تكوين أسر جديدة.

ويمكننا أن نضيف إلى ما ذكره الدكتور بعض الأمثلة على سبيل ضعف الروابط القرابية وهشاشتها، التي أصبحت تفرض منطق التقارب في المناسبات، والتباعد المتفق عليه فيما دونها. وكمثال آخر يمكن الإشارة إلى السلوكيات المثيرة التي ترتبت على التحديث الاجتماعي، ونقصد بالتحديد ظاهرة التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، والتي أصبحت على نحو معين تنتصر للافتراضي على حساب الواقعي، فتجد مثلًا الأفراد يتواصلون يوميًّا داخل الفضاء الافتراضي، وقد يقوم أغلبهم بما يمليه الواجب من تحية ومعايدة، أو حتى مشاركة بعض الفرجة والفكاهة من خلال مجموعة من الصور أو مقاطع الفيديو، لكن لم نعد نجد لهذا التفاعل تمثيلًا صريحًا ومماثلًا في الواقع الاجتماعي، وهذا ما يمكن عده في نظرنا مؤشرًا خطيرًا على انزلاق العلاقات الاجتماعية في فخ التباعد الاجتماعي.

إن التفاعل الوسيط أو غير المباشر المرتبط بالاتصال على أحد الأجهزة أو الوسائط التكنولوجية الحديثة، أصبح أكثر حضورًا وزخمًا في الحياة اليومية، في حين أصبح التواصل الحقيقي والواقعي يتسم بالغياب والركود، بالرغم من كون هذا الأخير، لا يتطلب وسائط للقيام بذلك، وهذا ما يمكن الإشارة إليه من منظور ماركسي بالتشييء الاستهلاكي الذي أفرزته، وساهمت في انتشاره الثقافة الاستهلاكية للنظم الرأسمالية والنيوليبرالية، والذي لم تسلم منه حتى العلاقات الإنسانية.

ويمكن الإشارة إلى أن عملية التفاعل من خلال التواصل المباشر، الذي ميز طبيعة العلاقات الإنسانية منذ المرحلة البدائية لوجود الإنسان على هذا الكون، أصبح يعد شيئًا استهلاكيًّا آليًّا مرتبطًا بالتكنولوجيا، وهو ما أصبح يساهم اليوم بشكل كبير في سيولة العلاقات الإنسانية، وفقدانها لمعناها وجوهرها الحقيقي، وهذا ما أصبح يميز العلاقات الإنسانية في زمن التكنولوجيا.

وإذا انطلقنا من مسلمة خلدونية تؤكد تأثيرات البيئة الاجتماعية في الفرد، الذي أصبح يعيش اليوم بشكل يومي ضمن بيئة تكنولوجية، يكاد يكون اعتماده عليها في تسيير شؤون حياته بشكل يومي وإلى حد كبير، لن يترتب على هذه البيئة سوى إنتاج علاقات إنسانية رقمية، فالإنسان الذي طور النظم والآليات التكنولوجيا الحديثة لتخدمه بشكل وظيفي في حياته الاجتماعية، أصبحت تأسره اليوم شيئًا فشيئًا، وتتجه إلى ابتلاعه، وأصبح الفرد في المقابل يتجه إلى خدمتها، بعد أن كان الهدف من ورائها هو تسخيرها لتدبير شؤون حياته اليومية، وهو ما أثر تأثيرًا كبيرًا في واقعه الاجتماعي، وفي منطق التقارب الاجتماعي الذي كان سائدًا من قبل، كونها قدمت للفرد بدائل وظيفية للاستغناء بشكل خاص، عن احتياجات الفرد الضرورية للاجتماع والتفاعل الإنساني المباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد