يبدأ حل أي مشكلة بتفكيكها من كونها معضلة معقدة إلى عناصر أولية بسيطة، وواجب في عملية التفكيك تلك التمييز ما بين ما يمثل أصل المشكلة، وما يمثل فرعًا أو نتيجةً لها، وعليه فإنَّ حل معضلة تخلف المجتمعات الإسلامية ومأساته يبدأ من دراسة أسباب ذاك التخلف ومظاهره، غير أنَّه ما نصبو إليه في مقالتنا لا يتعلق بتحديد مظاهر التخلف العلمي أو التخلف العسكري أو السياسي، ولكن نذهب إلى الأصل وهو التخلف الحضاري والنفسي، ذلك الذي يؤثر بل يحكم أفعال الأفراد في المجتمعات المتخلفة وتصرفاتهم، لكن قبل أن نبدأ علينا أن نشرع بفهم ماهية المجتمعات المتخلفة أو ما يطلق عليها دول العالم الثالث، وكيف حدث وبدأ الاستبداد الحديث.

قديمًا فيما قبل عدة قرون من الزمان كان الحاكم في الحروب هو إما الهدف الديني من أجل الإله ومن أجل محق الأديان المغايرة المارقة في مقابل دين الدولة المحاربة، وإما الهدف الحضاري أملًا في نشر الدولة لنموذجها الحضاري والثقافي على حساب العدو البربري، وذلك كان الدافع الأقوى ربما في حروب الإغريق والإسكندر لنشر الحضارة الهيلينية، وفي بعض الأحيان كان السبب الاقتصادي، احتلال دول بعينها من أجل نفع اقتصادي على دولة المحتل. ظلت تلك الحال لآلاف السنين إلى أن ظهرت الثورة التنويرية الغربية، تلك التي بدورها تحدت وقهرت عدوها الديني الذي حاول قمعها منذ القدم، ومن ثمَّ وبالتدريج انتهينا إلى ذلك العالم الذي نحيا فيه الآن، ذلك العالم الذي يعبد ساسته البترودولار بدلًا من الإله الخالق، والذي تقع كنيسته في وول ستريت نيويورك بدلًا من فاتيكان روما، وبهذا تحول اهتمام الدول المتقدمة من الدوافع الدينية والثقافية إلى الدوافع الاقتصادية فحسب. ذلك الدافع يرى في الحروب المباشرة خسارة اقتصادية فادحة، يجب أن توضع في مقابل النفع الاقتصادي من الحرب من أجل اتخاذ القرار ومن ثم فبدلًا من تكلف الحروب والأرواح لنهب مقدرات الشعوب الأضعف، يدعم مستبدًا طاغيًا مضمون الولاء، يقوم بتسيير أمور البلد الضعيف، وفي الوقت نفسه يضمن الامتياز الاقتصادي للدول الداعمة. ذلك هو نموذج دول ما يسمى بالعالم الثالث.

فقبل وجود المستبد الداخلي مدعوم الغرب، كانت الشعوب المتخلفة تعاني من التخلف الديني والعلمي ومن ثمَّ العسكري، بيد أن ذلك القمع والاستبداد الحديث بأرواح الخلائق لأجيال متلاحقة قد زاد الطين بلة بإضافة التخلف الاجتماعي والنفسي إلى ما سبق، فالنتائج الاجتماعية التي يسببها حكم القمع والاستبداد على المقهور، تظهر في المظاهر التي نجملها بعد تفصيل فصله كتاب «التخلف الاجتماعي» لكاتبه أ.د/ مصطفى حجازي كما يلي:

الإيمان بعدم قدرة العمل والجهد على تغيير الواقع

تنتشر عند الشعوب المقهورة هذه القناعة المتغلغلة في الأعماق والمغلّلة للأعناق، فقهر الإنسان وكبت رغبته في الانطلاق وفي التعبير؛ بل التوالد لأجيال في ظل هذا المناخ الفاسد ينتج منه شعور بأن تلك الحالة هي الأصل المحتوم، فالمستبد لا محالة ولا سبيل لتغييره، والتخلف الذي نحيا فيه هو إما ابتلاء من الله علينا أن نصبر عليه، وإما أنَّه عقاب مستحَق لنا على آثامنا، علينا أن نقبله بنفس راضية دونما مجابهة، لهذا تجد اليأس الدائم مستقرًا في أعماق الجمع المقهور، ذلك اليأس يصل الى التهكم والسخرية من كل من يحاول أن يعمل، اليأس من الجماعية والعمل الجماعي، واليأس من العلم والعمل والدين الحق سبلًا من أجل تغيير الواقع البائس إلى واقع أقل بؤسًا على الأقل.

نتيجةً لذلك الإحباط يذهب الناس في المجتمعات المتخلفة إلى الإيمان بالخرافات والأساطير والدجل، التي حتمًا تستطيع أن تغير الواقع المزري بدلًا من أفعالنا العاجزة، فالسحر هو الذي سيجعل المرأة توقع بمن تحب لا أفعالها معه، والجنُّ هو الذي سيجلب الحمل والأطفال لا الطب، والدجل هو
الذي سيجلب الرزق ويبعد الفقر لا العمل الجاد، وبهذا يتعطل مبدأ الإسلام في الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله، وكذلك هنالك الإيمان السحري الجميل بأن تُحَل كل مشاكلنا بمعجزة إلهية لا دخل لنا بها، علينا فحسب أن ندعو الله أن يهلك إسرائيل، وأن يرينا فيهم آية ويهلكهم بريح صرصر من عنده دونما اجتهاد منّا، أو علينا فقط بانتظار بعثة المهدي الذي يجمع شملنا ويوحد كلمتنا ويهزم الأعداء، هكذا فحسب، انتظار المعجزة الخارقة للعادة، هذا ما وصلنا اليه للأسف في مقابل عقلانية كتاب الله تعالى وقوله «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

مر 70عامًا تتضرع فيها المساجد «دون عمل» لهلاك إسرائيل وأمريكا، هلكنا نحن وازدهرت إسرائيل وأمريكا.

كذلك حتمت تلك القناعة على الشعوب المتخلفة أن يتفشى فيها الكسل والعدول عن الاجتهاد والعمل، فالأصل أنه كلما اجتهد الإنسان ترقى في السلم الاجتماعي، وأنه كلما اجتهد كوفئ على اجتهاده من الناحيتين المادية والمعنوية، لكن في الدول المتخلفة لغياب منظومة العدالة؛ فالترقي يخضع لمعايير الانتماء الطائفي أو القبلي أو السياسي أو في أفضل الأحيان الأقدمية، وبهذا فلا فائدة ولا غناء من محاولة بذل الجهد في العمل الذي لن يسعف صاحبه ويرقى به من الناحية المادية؛ بل المعنوية أيضًا.

وبعد كل هذا يخرج المستبد وزبانيته ليتهموا الرجل المقهور بالكسل وتعطيلهم لمشاريعه الطموحة.

فساد المنهج العقلاني وعمليات الاستدلال المنطقي

بينما يحكم حكام الغرب على منطق الإقناع من أجل انتخابهم في البداية، وبذل الجهد الدائم لفعل الصواب وتفادي الخطأ في القول
أو الفعل لإقناع الشعب ضمانًا لتصويتهم له ولحزبه وقوانينه، المقابل في المجتمعات المتخلفة هو الإخضاع لا الإقناع، المستبد يحكم قهرًا وجبرًا وفرضًا، وينفذ حكمه بالشكل نفسه، هو الذي إن أراد يأتمر الجميع له دونما نقاش ودونما حوار، عليك أن تقتنع أنًّه يفعل الصواب لمجرد أن الفعل صادر منه، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي يسبح الإعلام بحمده، ومن في السجون من خيفته، ظنًا منه أنه ينازع الله في جبروته، فذلك المناخ العام معدوم النقاش والحوار والاختلاف، ومن ثم معدوم العقلانية، ينسل من الأعلى ويستقر في أعماق جموع المقهورين، عملية تسلسل الفكرة المنطقية التي تبدأ بالمقدمات ثم الملاحظات ثم النتائج تصاب بالخلل والشلل؛ ولهذا تفشل معظم الخطط التي تضعها الدول المتخلفة أو كلها؛ لأنها لا تملك القدرة العقلانية على التخطيط أصلًا.

كذلك تعطل عملية المنطق والاستدلال المنطقي للإثبات للقناعات، وبالتالي تجد عقمًا عقليًّا عامًّا عند تلك الشعوب البائسة يمنع عقولها من الوصول إلى القناعات بعدما وضعها على طاولة التشكيك والنقاش العقلاني الهادئ للوصول إلى القناعات الأكثر عقلانيةً، لهذا تلك الشعوب من السهل إقناعها بأتفه الخرافات مثل سماع أرمسترونج للأذان وإسلامه على القمر دونما دليل أو برهان، إلى جانب الخرافات الاقتصادية والسياسية التي تردَّدت على آذانهم واستقرت في قناعاتهم دونما أدنى دليل، الأمر مقنع لأنه عاطفي وجميل فحسب وأخيرًا لذلك، النتاج هو استقرار القناعات العاطفية الخاطئة غير المدلل على صحتها. يستدل الكاتب بذلك أنه سرعان ما تصل النقاشات في مجتمعاتنا المتخلفة إلى الغضب وإلى فرض القوة عن طريق الصوت برفعه أولًا، واللفظ بالشتم أو التخوين ثانيًا، ثم القوة البدنية بالضرب ثالثًا، ذلك لإيمان كل من المتخلفين المقهورين في قرارة أنفسهم بعدم جدوى الإقناع، في مقابل الإقناع غير المقنع، هنالك الإخضاع الذي تنجح الدولة المستبدة بممارسته
نجاحًا ساحقًا، ساحقًا للعقول والقلوب والآمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات