ضغط المغني المشهور الزر الأحمر أمامه، والتف بكرسيه في حركة سينمائية؛ لتغرق بعدها عينا الفتاة الصغيرة الواقفة على المسرح في بحر من الدموع، وتسلط الأنوار على عائلة الفتاة خلف الكواليس، والأم تحتضن الأب ليرتفع بعدها تصفيق الجمهور، ثم بحركة أبوية يحتضن المغني الفتاة التي لا تمت له بصلة قرابة وتغوص هي بين ذراعيه، ولا زالت تشهق بالدموع، ويحتضنها المذيع هو الآخر.

ثم يسدل الستار والجميع يبكون من فرط التأثر والانفعال.. فقد صعدت فتاتهم الجميلة ذات الـ13 عامًا إلى مصاف الترتيب النهائي في هذه المسابقة الشهيرة التي هي واحدة من سلسلة عالمية، في كل بلدان العالم.. ولم يتبق أمامها إلا بضعة متنافسين لتحصل على الجائزة الكبيرة، ويكون لها إصدار غنائي، يضاف إلى ملايين الإصدارات التي يعج بها هواء الكرة الأرضية. وربما تكون سعيدة الحظ، فتتلقفها الشاشات الصغيرة وتقوم بدور ما في إحدى المسلسلات التي غزت كل البيوت.. وهكذا تنطلق النجمة نحو سماء الشهرة.

ثم ماذا؟ ماذا بالنسبة لملايين البشر الذين لم يسعفهم الحظ لمتابعة تلك اللحظة الأسطورية؟ هل توقفت المذابح في البلدان التعسة التي تحيط بهذا المكان الذي تم على أرضه تصوير هذا العبث؟ في هذا البلد نفسه.. هل ينام الفقراء في بيوت تمنع عنهم المطر وتقيهم الريح؟ هل كل الفتيات اللاتي في عمر صاحبة الصوت الجميل، يلبسن فساتين حلوة أم أن بعضهن بالكاد يجدن ما يسترهن؟ هل تمتلك كل الفتيات رفاهية الوقت الذي يقضينه أمام الشاشات يتابعن ببلاهة الغث والسمين القادم منها أم أن بعضهن يتسولن اللقمة في الشوارع الضيقة ولا يجدن الدفء في أحضان أب أو أم؟

هل يعيش هؤلاء الناس في هذا البرنامج معنا على نفس الكوكب؟ هل يمتلكون قلوبًا مثل قلوبنا التي تعبت من مناظر الدم واحتضار الأطفال على الهواء مباشرة أمام ملايين المشاهدين، ملايين كهؤلاء الذين ضجوا بالتصفيق الحاد تأثرًا بدموع الفتاة ذات الصوت الجميل؟ نفس الشاشات التي تبث لنا هذه البرامج السخيفة تبث قبلها موجز أخبار الحروب والدمار كأنه واجب ثقيل لابد من أدائه، ثم ينصرف الجميع بعده إلى راحة العقول أو قل إلغاؤها.

ربما كان العيب فينا وليس فيهم يا سادة.. ربما نحن الذين نتخيل الأرض ككوكب تنبعث منه أدخنة اللهب وتغطيه سحابة سوداء من أثر القنابل المنهمرة على المقهورين.. ربما كانت هذه أدخنة موائد الطبخ الممدودة على بلاط أصحاب السمو والفخامة ورؤساء دول ذوي وجنات متوردة وعيون زرقاء باردة، كبرودة بحر تشتكي مياهه من الأجساد التي تهاوت إلى القاع غارقة فيه، في محاولة بائسة للفرار من واقع مرير، بربكم قولوا لي، ربما نحن الذين نضع على عيوننا غشاوة فلا نرى الزهور التي نبتت في حقول روتها الدماء لهذا صار الورد أحمر.

ربما نحن الذين لم نفهم ذلك المغني المشهور، حين يتحدث عن آلام المرضى الذين تبرع لهم لبناء مستشفى، ثم يسرق نظامه المستبد نصف هذه الأموال لتنتفخ بطون السادة الكبار، ويذهب النصف الباقي لتجميل المشفى وزرع حديقة جميلة حوله كي يقضي فيها الأطفال آخر أيام حياتهم يتطلعون من الشرفات إلى اللون الأخضر الجميل الذي افتقدوه، وسط شوارع سوداء ملتوية مغطاة بالأتربة والقمامة على الجانبين، ربما نحن الذين لا نرى الوجود جميلًا، كما رآه إيليا أبو ماضي في قصيدته الشهيرة.. ربما نحن الذين تعودنا على النواح والحزن فلم نعد نستطيع الابتسام؟ ربما نحن الذين تلوثت قلوبنا، فلم نعد نفهم البراءة في صورة فتاة يحتضنها رجل في عمر أبيها؟ أريحوهم وأريحونا.. وقولوا إننا نحن من لا نعيش معهم على نفس الكوكب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد