غالبًا ما تكون عطلات الصيف للمغتربين بين الشواطئ والملاهي والزيارات العائلية، وتكون عبارة عن فترة استجمام للحصول على القدر الكافي من الراحة، واستعادة القوة والنشاط لبداية عام جديد مليء بالضغط العصبي والمعاناة في البعد عن الأهل والوطن، ناهيك عن استنزاف العمر في الغربة، دون جدوى تذكر، فمعظم أصحاب الأعمال والتجارة كونوا ثرواتهم في بلادهم الأصلية، ولكن المغترب يخرج من وطنه ويهون على نفسه مشاكل ومعاناة الغربة وقسوتها وضياع أحلى لحظات حياته ومناسبات عائلية لن تتكرر بأنه سيعود يومًا ما ثريًا من ذوي الأملاك.

يعود المغترب لبلاده في حالة من الحالات الثلاث التالية:

1- يعود سريعًا بعد فشل ذريع، سواء لضعف إمكانته أو عدم احتماله لقسوة الوحدة والغربة، أو حظه السيئ الذي أوقعه في شركة سيئة أو مكان صعب.

2- يعود المغترب بعد أن ضاع عمره وشاب معظم شعر رأسه، عاد ولا يملك مبلغًا معقولًا ليبدأ حياته وعمله الخاص، فقد سافر وهو ابن الثانية والعشرين فور تخرجه من الجامعة، ولم يكن له مكان في الوظائف الحكومية، عاد وقد ملأ جسمه المرض، وأتعبه كثرة التحمل فوق الطاقه، عاد وقد أنهكته ساعات العمل المتواصله ربما في أكثر من وظيفة حتى يعيش حياة كريمة ومحاولة منه أن يؤمن مستقبل أبنائه، فيعود ليبدأ دوامة جديدة من التعب وهو الذي جلس يحلم لأعوام في بيته الصغير مغتربًا بيوم العودة إلى ذلك المنزل الكبير في وطنه، وإلى تلك الأشجار التي تزين حديقة منزله.

3- يعود وقد فارق الحياة أو بالأحرى يعود جثمانه أو قد لا يعود فيدفن في الغربة، فكما رفضه الوطن حيًا رفضه ميتًا، يفارق الدنيا وهو يبنى آمالًا لعشرات السنين، يحلم أن يعود ويكمل باقي العمر مٌتنعمًا في بلاده، ويخطط لأبنائه وأحفاده أحيانًا، يحلم ويحلم فلا يستطيع المغترب تحمل أيام الغربة الصعبه، إلا بالأحلام والأماني التي يريد تحقيقها، وتكون هي الملاذ من الواقع الصعب.

وليس أتعس من مغترب غادر بلاده باحثًا عن الحلم والمال والمستقبل، فيعود وقد سُرق الوطن، ضيعه الوطن في البداية لأنه ليس له مكان ولا عمل، وفي النهاية يعود هو فلا يجد الوطن.

نعم نحن بلا وطن، إذا اُغتصِب الوطن واستولى عليه العساكر نكون وقتها بلا وطن، إذا غاب العدل فلا وطن، إذا قُتل الشباب فلا وطن، إذا أُهين الشيوخ فلا وطن، إذا حكم الفاسدون فلا وطن.

سافرت وكنت أبحث عن الحلم والمال والراحة، سافرت مطمئنًا أنني أستطيع العودة في أي وقت تضيق بي الغربة، سافرت وكل أحلامي أن أحقق حلمي وأعود للوطن يومًا، فلا تحققت أحلامي ولا بقي الوطن.

نعم كل المغتربين يبحثون عن الحلم والمال أما نحن المصريين الآن نبحث عن الوطن، فليس الوطن حدود وتراب ونقاط تفتيش وتأشيرات، الوطن هو الأم، هو ذلك الأمان الدائم، هو العدل، هو الحرية.

ما أصعب أن يضيق بك الوطن ولا تستطيع أن تقضي فيه سوى بضعة أيام مضطراً للمغادرة، فأي وطن هذا الذي بلا مستقبل وبلا عمل وبلا عدل وبلا حرية؟

ما هو إذا الوطن إذا لم يكن به كل ذلك!

الوطن ليس مكان الميلاد أو ميلاد الأباء والأجداد، الوطن هو ذلك المكان في أية بقاع العالم، والذي تشعر فيه بالعدل والحرية والأمان والمستقبل لك ولعائلتك، في السابق كان يسمح لنا الحكام أن نعيش في الوطن على أن يسرقوا بعض خيراته والآن قرروا سرقة الوطن نفسه، أو أن يقتلونا فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد