مع نسائم الصباح الملائكية ابتسمت «محسنة» لزوجها «أبي الديوك» -وهي تصب له كوب الشاي- وارتسمت على وجهها دهشةٌ لطالما عرف أن ورائها الكثير، لكنه آثر أن يتغافل خشية الدخول في سجالٍ من المناقشة يدرك أنه الخاسر فيه كالعادة. فهمت محسنة من صمت أبي الديوك أنه يتفادى النقاش حول ما يقوم به من ممارسات تصطدم مع ما يتغنى به من المبادئ، ولكن تساءلت في نفسها: هل يمكنه أن يتفادى عواقب ما يجري بنفس براعته في التلوّن والتملُّق والوصولية؟

أبو الديوك رجل اشتراكي، أحد رموز الشيوعية في البلد، يرى في صهره والد محسنة زوجته أنه إقطاعيٌ قد استنزف موارد البلاد وابتلعها في جوفه بجشعٍ منقطِعِ النظير، وأن صهره لم يطرف له جفنٌ وهو ينتزع قوت البسطاء ليحشُده لنفسه ولأبنائه، وليذهب البسطاء إلى الجحيم! كان أبو الديوك منزعجًا من هذا الفكر المهترئ، فرأى في الشيوعية والاشتراكية ما يحارب به هؤلاء الإقطاعيين. «الشيوعية هي الملاذ للخروج من عفن الإقطاعية، الاشتراكية هي أن نقتسم رغيف الخبز ونشبع جميعًا دون تمييز» كانت هذه كلماتُ أبي الديوك التي يرددها في الأوساط المختلفة التي تصفق له باستمرار وبنفس القوة كلما تصدى للحديث.

كان الجميع يصفق لأبي الديوك وأمثاله، لكن مرآة أبي الديوك لم تكن كذلك، كانت محسنة تحرص على بيتها وأبنائها ولذلك ارتأت أن تصارح زوجها بالتباين الصارخ الذي وقع فيه؛ فبينما يجلدُ الإقطاعية وينتحب لأجل الفقراء والمعدومين إلا أنه كوّن لنفسه حاشيةً استباحت لنفسها ما لم تستبحه لغيرها، لم يتحرّج من قبول الهدايا من كلِّ حدبٍ وصوب، وقد وزع المناصب على من يتوسم فيهم الولاء له والرضوخ لكل ما يمليه عليهم، مع إمعانه في إقصاء من يخالفون أساليبه الملتوية. كان أبو الديوك قارئًا جيدًا للتاريخ ففهم دور الإعلام، رأى أن امبراطورية إدجار هوفر بُنيت على التضخيم والتهويل اللذين سخر لهما أقلام الصحافيين المأجورين فضلًا عن ابتزاز البعض الآخر بملفاتٍ تعج بسقطاتهم المقصودة منها وغير المقصودة.

هوفر كان عدوًا للشيوعية في الولايات المتحدة الأمريكية واستطاع أن يوظِف هذا العداء في ابتزاز 8 رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية، وأن يحتفظ بكرسيه رئيسًا لمكتب التحقيقات الفيدرالية مدة 48 عامًا إلى يوم وفاته في الثاني من مايو 1972 وعلى الرغم من أن أبا الديوك كان شيوعيًا إلا أنه ليس ثمة ما يمنع الاستفادة من الخصوم إذا ما كانت المصلحة تقتضي ذلك. كان أبو الديوك يقتلُ نفسه ناقدًا وناقمًا على صهره الإقطاعي في حين لا يتجشم عناء التفكير لبُرهةٍ في مصير من يطأ رقابهم بأقدامه وأقدام بطانته ليحققوا الوجاهة الاجتماعية! واستفاد من هوفر عدو الشيوعية في تجييش الصحافة لصالحه ولإرهاب خصومه.

كان هوفر يكتب المقالات الصحفية في حق بعض من يريد أن يضعهم في قبضته، ثم يأمر صحيفةً ما بنشر هذا المقال تحت اسمٍ مستعار؛ ليقوم بعدها بتفعيل دوره في ملاحقة هؤلاء استنادًا إلى مقالٍ لقيط. لم يغب عن هوفر أهمية الإعلام في رسم الصورة الذهنية له؛ فدأب على تمرير أخبار تتعلق ببسالته في الإيقاع برجال الجريمة المنظمة مثل ديلنجر وآل كابوني وغيرهم، كما وثقت الصحافة رغمًا عنها أمجاد هوفر في استئصال شأفة الشيوعية في الداخل الأمريكي. أبو الديوك ومع أنه لا ناقة له ولا جمل في الفن، وبالرغم من أن نشاز صوته لا يُقارن لكنه وبعلاقاته الممتدة استطاع أن يترأس هيئة المسرح! كان يجامل أقرانه بعرض مسرحياتهم مع أنهم على شاكلته لا يعرف أحدهم قطاته من نطاته لكن للمحسوبية الكلمة العليا، وليُضفي عليهم لمسة من القبول وليصبغهم بدرجة من الشرعية فقد كوّن لجانًا تحت إشرافه المباشر لاختيار الأعمال المجاز عرضها، وبطبيعة الحال اللجان تحت امرته وما أن تتفق اللجنة على مسرحيةٍ ما تتبارى الصحف بالتغني بما ستحققه هذه المسرحية من أمجاد للقومية العربية ومن الإجهاز على الإقطاعية؛ فإن فشلت المسرحية فشلًا ذريعًا ولم تصمد لأسبوعٍ واحد فإن أبا الديوك يرسل المسرحية مشفوعةً بخطاب تزكية لأقاصي البلاد لعرضها، ثم تُمجِّد صحافة أبي الديوك هذه النجاحات غير الواقعية بالمرة.

عبد السميع بلعوم واحد من أصدقاء أبي الديوك المقربين الذين مُررت مسرحيته للعرض، فلما فشلت بكل المقاييس اضطر أبو الديوك لإرسالها إلى دمنهور للعرض هناك، ثم أمر أذنابه في الصحف أن تكتب في القاهرة عن أمجاد حققتها المسرحية في دمنهور. امتشق أبو الديوك حسام الإقطاعيين وركب جوادًا أحمر؛ فكان له مظهر الاشتراكيين وفكر الإقطاعيين! كانت محسنة تحاول جاهدةً أن تُثني أبا الديوك عن منطقه الأعرج وسبيله الأعوج، وكثيرًا ما كانت تلوِّح له بالمصير المحتوم الذي ينتظر كلَّ من يداهن ويتلون، إلا أن أبا الديوك كان يصم أذنيه، ويرى أن الانتهازية والوصولية ليستا جرمًا وإنما هي «مفهومية» وأنه يعلم ما يقوم به تمامًا.

لم تكن أذرع الأخطبوط أبي الديوك قاصرة على بعض الصحافيين أو هيئة المسرح، بل امتدت لتشمل قطاعًا واسعًا من الأدباء والعلماء الذين انسلخوا عن مبادئهم طوعيةً لقاء جمع ألقاب وكراسي ولو على حساب المبادئ التي لاذوا بلوائها. كان من هؤلاء الدكتور نجم الدين سابقًا والذي لقيه أحدهم يومًا؛ فقال له: لعلّنا التقينا سلفًا يا أستاذ نجم الدين! فإذا بنجم الدين لم يراجع الرجل في مسألة أن هذا اللقاء كان قبل عشرين عامًا، وأنه قد حصل على شهادة الدكتوراة إلا بعد أن صحح له ما هو أهم من منظوره الشخصي؛ فقال بلهجةٍ صارمة: اسمي نجم، نجم (بَسْ) من غير «الدين»! وأخرج بطاقة العمل وسلهما لمحدِّثه، فقال الرجل: مكتوب هنا نجم الدين، فقال نجم متهكمًا: لعلّك لاحظت أن كلمة «الدين» مشطوبة!

كان نجم هذا قد تزوج بامرأة فرنسية تدعى ليليان وتدرس علم فقه اللغة المقارن Phenology وقد كان هذا سر زواجه بها، فقد نما إلى علمه أنها تدرس اللغة العربية وأن بحث الدكتوراة الذي تعمل عليه منذ سنواتٍ سبع يرمي للحط من قدر اللغة العربية وتحقير شأنها، وهذا ما يجعله يترنم طربًا؛ فالدكتور نجم يسعى -ويسعد- لأن تصبح لكل دولة عربية لغتها المستقلة تناغمًا مع الاستقلالية اللغوية للدول الأوروبية المتقدمة! انتظر الدكتور نجم بفارغ الصبر نشر بحث ليليان ليُصاب بالجنون إذ أن البحث كان يجسّد مكانة الضاد وتفوقها على اللغات الأخرى، ولعلمها بتوجهات زوجها الحقودة على بني جلدته اضطرت ليليان لإخفاء الحقيقة عنه! كان الدكتور نجم يتغنى بأنه قد حلق دينه مع لحيته وأن زوجته ستقضي على اللغة العربية، إلا أنه خسر في الجولتين؛ فالدين لا ينحسر بترهات البطالين والضاد لن تُمحى بتقوّلات المتعالمين.

أبو الديوك والدكتور نجم من بين شخصيات مسرحية «حبل الغسيل» لعلي أحمد باكثير، والتي تتناول التباين الصارخ بين الدعاوى التي يتغنى بها البعض وبين ما ينتهجه بالفعل من قناعات يضعها حيز التنفيذ. هناك من يتبرأ من مبادئه بأفعاله مع ذوبانه في مثالية تلك المبادئ بلسانه فحسب، وهناك من يطرب للانسلاخ عن عروبته انسلاخ الحية عن جلدها؛ فهو يريد أن يكون صورةً ولو مشوهة للغرب الراقي المنير! ويروق لهؤلاء أن يوصفوا بـــ«النخبة» ووجوه المجتمع والصفوة والتقدميين وغيرها من الألقاب التي تُخفي وراءها ما أخفته الأكمة؛ فإن وراء الأكمة ما وراءها! تبعيةٌ مهينة وإغراق في الحط من قدر النفس والهزيمة النفسية التي لا طائل منها على الإطلاق.

في الختام: قد تخدعنا الأقوال وربما لفترات تطول، إلا أن الأفعال هي التي تصنع الفرق، فلقد فرَّ شارل ديجول من فرنسا إلى إنجلترا وظل يحث الفرنسيين على الصمود في وجه الاحتلال النازي، وأريقت دماء الفرنسيين البسطاء في على أرضهم بينما يتغنى ديجول بالثبات من لندن عبر الأثير! ثم عاد ليتخطَ الرقاب ويستلم قصر الإليزيه في حين أن القادة الفعليين قد سُفكت دماؤهم! الأفعال أقوى وأمضى من الأقوال، فكن قائدًا وواعظًا وقدوةً لمن حولك بأفعالك وليس بالضرورة أن تكون خطيبًا مصقعًا لتصل أفكارك إليهم، تذكر دائمً أبدًا أن:

من خالفت أقوالُهُ أفعالَه ** تحوّلت أفعالُه أفعى له

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد