المجتمع الجزائري لا يختلف عن غيره من المجتمعات الشرقية، التي تتميز بسلوكات ميتافيزيقة تعكس ثقافة تدينية متغلغلة في اللاوعي واللاشعور، هذه الثقافة تعمل عملها في تصوير وخلق نمط معين لا يجوز – على الأقل اجتماعيًّا – مخالفته أو حتى تناوله بشيء من النقد.

إلا أن الإشكال الجوهري هو التداخل الماهوي بين السلوكات الدينية المحضة التي لها مستند معرفي من الأصول الثابتة للتشريع وبين بعض السلوكات والمعتقدات التي لا تنسجم ضرورة مع تلك الأصول، أو لنقل على الأقل هي محل أخذ ورد بين المخولين للنقاش في الشأن الديني قديمًا وحديثًا، كذا فإن الإشكال متعلق بالمتغيرات العالمية المؤثرة في تشكيل الإطار المرجعي للعقل الإنساني في قضايا الميتافيزيقا، فالقضية ليست محلية بامتياز بل لها امتدادات عالمية باعتبارها مشكلة معرفية عالمية فكثير من المعارف اليوم في العالم الغربي المتعلقة بدراسة الوجود غير المدرك عن طريق الإحساس أو التجربة كعلم الشياطين (Demonology science)، أو علم الهالة الإنسانية (Aura Humanity)، أو المعارف والأبحاث المتعلقة بالكائنات الفضائية (Alien) لا يمكن أن تكون معدودة في إطار المعارف الجادة، وعليه فإن موضوع الميتافيزيقا والماورائيات ليس دقيقًا بما يكفي ليعتبر علمًا مدروسًا فضلًا أن ينسب للمشتغلين على المعرفة الشرعية.

سأحاول في هذه المقالة بحول الله تعالى وقوته، معالجة بعض القضايا الماورائية وخلفياتها التي تحولت إلى ثقافة دينية في المجتمع الشرقي عموما والجزائري خصوصًا، هذا المجتمع الذي تتداخل فيه المفاهيم الشرعية الصحيحة مع الأعراف والقيم التي عززتها الثقافة المجتمعية والتي نحاول في هذا المقال بعون الله خلق نوع من التمايز بينهما – لأن هذا هو الأصل -.

1- الرقية الشرعية ضرورة أم كمال

الحكم الشرعي للرقية من حيث الأصل: الجواز

قال ابن عبد البر رضي الله عنه  (لا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز الرقية من العين والحمة – وهي لذغة العقرب – وما كان في مثلها إذا كانت الرقية بأسماء الله عزوجل ومما يجوز الاسترقاء به وذلك بعد نزول الوجع والبلاء وظهور العلة والداء).

ويقول الإمام النووي رضي الله عنه (وقد نقل الاجماع على جواز الرقى بالآيات أذكار الله تعالى).

ويقول الإمام ابن حجر رضي الله عنه (وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع شروط ثلاثة، أن يكون بكلام الله تعالى وأسمائه وصفاته، وأن يكون باللسان العربي وليس بما لا يعرف معناه لجواز وقوع الكفر فيه، أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها بل عليه اعتقاد التسبب فيها كجملة الأسباب المباحة).

يقول الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه (ثم قال بعض المانعين من الاسترقاء أنه لا يظهر بين جملتهم من يسترقي الرقية الشرعية ومن يدجل على الناس بسحره وكلامه الخبيث، قلنا اشترطنا لذلك شروطًا منها، كلامه بالعربية أو بما يفهم معناه، واسترقائه بالآية الكريمة أو بما ثبت في الحديث الشريف وما عداهما فليس بشيء، فجاز إن شاء الله).

فلنؤسس لمقولتنا انطلاقًا من الشرط الأخير الذي اشترطه ابن حجر رضي الله عنه  في جواز الرقية، وهي عدم اعتقاد تأثيرها بنفسها في علاج أو شفاء، فهي سبب من جملة الأسباب الشرعية المطلوبة على وجه الندب – وهي قضية مفروغ منها –  كذا فإن فقهاءنا حين تكلموا عن قضية  «الرقية» كان قصارى تصورهم عن شيخ معروف بالصلاح والتقوى وشيء من العلم  من الزهاد أو العباد في الأربطة يقصده بعض أهل قريته ومنطقته طلبًا لبركته وشيء من التطبب لا أكثر، إلا أن المتامل للمشهد  الجزائري – أو حتى العربي – المعاصر يجده زاخرًا بمؤسسات خاصة للرقية تمتد شبكاتها وفروعها وطنيًا وعربيًا ثم اشتهار «شيخ يسترقي» معروف يعتبر قطب هذه الظاهرة في كل منطقة بلا منازع، أضف إليه الطفرة الإعلامية والتواصلية التي فتحت الرأي العام على هذه القضية وأتاحت مجالًا حيويًا خصبًا للتسويق التجاري، أضف إليه حالة استقطاب لا شعوري لغالب المجتمع الجزائري – والعربي – حول هذه الظاهرة ومن مختلف الشرائح مما ساهم بتضخم مفهوم الرقية بشكل غير طبيعي في الضمير الجمعي لم يكن السادة الأوائل يتصورونه.

هنا لا نشير كذلك إلى إشكاليات تشريعية أخرى، متعلقة بشخوص الرقاة أنفسهم، حيث تم الكشف من طرف السلطات عن حالات استغلال بشعة جنسية ومادية وحالات اعتداء على الضحايا «طالبي العلاج بالرقية» خصوصًا من طرف النساء والأطفال، والتي تعتبر من الفئات الهشة اجتماعيًّا وحالات ابتزاز ذوي الضحايا – والله المستعان –.

وتضخم هذه القضية في نظري له عدة أسباب اجتماعية سنحاول مقاربتها عبر المشهد الجزائري خصوصًا:

أولها- ظاهرة «الرقية» خارج التأطير القانوني أو لنقل على الأقل لا تسام السلطة القضائية والتنفيذية في متابعته وتنظيمه بالشكل الكافي، مما حدا بكثير من المتطفلين على هذا الحقل الديني جعله وسيلة للتربح والنفع الشخصي.

ثانيها- اهتزاز الشخصية الجزائرية وفقدان الثقة في الذات، إما بسبب فشل مسبق أسري أو عملي – الحياة المهنية – وقد تكون نتيجة تعرض الشخص لصدمات أثناء المراحل المتقدمة من عمره.

ثالثها- الضغط المادي الذي تعاني منه أغلب الفئات المتوسطة الدخل والضعيفة، وغالبًا ما يتبع هذا الضغط المادي مشاكل نفسية وأسرية تدفع رجل الشارع البسيط إلى مقاربة أنجع الحلول التي توافق مزاجه وعرفه الاجتماعي – الرقية – فهي نوع من التنفيس الاجتماعي لهذه الطبقة للمشاكل التي تعاني منها يوميًا.

رابعًا- لا يمكننا إغفال ما ذكرناه سابقًا فالمعطى «الثقافي» الذي يدفع الرجل الجزائري إلى التعاطي مع حلول للمشاكل التي يعالجها يوميًا ليس لها رابط منطقي أو ضروري مع المشكل الذي يعاني منه، بل هو في ذلك خاضع للمزاج الاجتماعي العام الذي رسخ لهذه الثقافة «ثقافة الرقية»، وعلينا الاعتراف بأن ثقافة اللجوء إلى الأخصائيين أصحاب الأثر المباشر في إيجاد الحلول للمشاكل التي يعاني منها الإنسان، تكاد تكون منعدمة أو ضئيلة جدًا في ثقافتنا، فنحن باعتبارنا جزائريين لا نعرف مقاربة أخصائي نفسي أو أسري أو استشاري تربوي، وقد تكون تكلفة جلسة علاجية معه أرخص بكثير من جلسات علاج مع الراقي الفلاني أو العلاني وذات أثر أكبر وأنفع، وعلينا الاعتراف أيضًا أن إشكالية الثقافة في مجتمعنا لها محددات كثيرة تمنع تطورها بالشكل الملائم للعصر الذي نعيشه.

خولت قضية الرقية للمجتمع متنفسًا كبيرًا جدًا يفرغ فيه مكبوتاته، خصوصًا بالنسبة للفئات الضعيفة والهشة – المرأة والطفل – ثم ما لبثت هذه الظاهرة أن امتدت إلى الرجل الجزائري، بعد أن أحاطت به تراكمية سيئة من الضعف المادي وغياب الفرص وانهيار الروابط الإنسانية وغياب الأفق وضعف الثقافة واهتلاك منظومات التربية والتشريع.

علينا ونحن نستحضر معالجة هذه القضايا الفصل التام بين موقف الشرع «المتوازن» من قضية الرقية، حيث جعل الشرع الرقية سببًا من جملة الأسباب التي يجوز للإنسان تعاطيها بمرافقة أسباب موضوعية أخرى (العلاج الطبي / أو النفسي / أو الاستشارات الأسرية والاجتماعية و التربوية وغيرها) وبين العرف الاجتماعي الحاكم على مزاج الجزائريين، حيث أصبحت هذه الظاهرة أشبه بالفلكلور الذي لا تنفك منه أي منطقة في الجزائر، والعجيب أنه يلامس شرائح اجتماعية واسعة، ليست لها علاقة بالتدين أصالة.

2- تفسير الأحلام.. الجزائري بين عالم الغيب وعالم الشهادة

تفسير الرؤيا باق كذلك على أصل الإباحة والجواز، وقد اشترط الفقهاء لصاحبها العلم والتقوى قبل التصدر، قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني رضي الله عنه  (ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها)، وقال الإمام النفرواي في الفواكه الدواني (اشتراط العلم للتعبير لأن خلافه يكون من الكذب، فالأخبار من غير العالم كذب قال تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم»).

تفسير الأحلام أو تعبير الرؤيا ظاهرة لم يعرفها مجتمعنا الجزائري بشكل كبير إلا بعد الطفرة الإعلامية، حيث أصبحت الفضائيات تعج بمختلف البرامج التي تناقش أحلام الجزائريين «رجالًا ونساء» وبعضها فيه صواب والأكثر من تلك البرامج كذب وتدليس على الناس، هذا عن حال المشهد الجزائري، أما في المشهد العربي عمومًا، فهناك فضاء خاص لمعبري الأحلام وقنوات خاصة تعنى بهذا الجانب، تعمل على مدار اليوم، وآلاف الاتصالات للشيوخ – المتمكنين في التعبير – وآلاف التفسيرات بالخير والشر الذي ينتظر الناس في قابل الأيام، وهنا ينبغي أن ننبه القارئ الكريم لبعض النقاط المهمة فيما يتعلق بقضية الإيمان بالمغيبات.

أولا: الإنسان المسلم  يبني تصرفاته وسلوكاته في هذا الوجود على أسس موضوعية – الأسباب التي وضعها الله في الكون- بضميمة التوكل والثقة التامة في قدر الله تعالى الموافق لحكمته وعدله ولطفه بعباده، فالعمل وفق الأسباب التي أباحها الشرع والتي تقع في مقدور الإنسان والتركيز عليها هو حجر الزاوية في تصرفات الإنسان المسلم.

ثانيًا: في ما يتعلق بعالم الغيب – وهو الوجود الذي يقع خارج حدود الإدراك الحسي – فالشرع أمر فيه بالإيمان المجمل، وهذا النوع من الإيمان هو الأغلب، أو الإيمان المفصل فيما ورد النص فيه بالتعيين أو التخصيص، ومثال هذا النوع من الإيمان، الإيمان بالجن ووجودهم وأنهم مكلفون مثل الإنس تمامًا، هذا هو حدود الإيمان الواجب، أما الإيمان بطبائعهم وخصائص كل واحد من تلك المخلوقات وأسمائهم بتفصيلاتها – مما ذكر في بعض الكتب كشمس المعارف مثلا – فليس يصح فيه شيء وليس من أمر الشرع، وكذا الإيمان بعالم البرزخ والجنة والنار، فنحن نؤمن بوجوده وأنه مستقر الإنسان بعد الوفاة إلى حين قيام الساعة، كما نؤمن بأنواع العذاب وأنواع النعيم ودرجات ودركات الجنة والنار، لكن في ما يتعلق بطبيعة هذا العالم – أي البرزخ – وأين يقع، وأين تقع الجنة والنار وغيرها من أنواع المغيبات لم نؤمر بالإيمان بها، وليس من الشرع التفكر وبناء التصورات عنها بحق وبباطل.

ثالثًا: فيما يتعلق بالأحلام والرؤيا التي يطلع عليها الإنسان المسلم في منامه، قد يكون لها شيء من الصدق، وقد تكون من عاجل بشرى المؤمن أيضًا، لكن ليس في كل الأحوال بل هو أمر – نسبي – بحسب كل شخص،  فلا يمكن أن يتخذ من كل تشابه بين حلم وحلم – قاعدة عامة –  خصوصًا في برامج التفسير الفضائية، حيث لا يطلع فيها المعبر على حال الشخص وبعض التفاصيل المهمة في حياته، والتي يتحفظ عن ذكرها في فضاء عام أو يحورها ويغير في أحداث المنام أو الرؤيا نفسها، وعليه فيبقى هامش عدم الصوابية في تعبير الرؤيا كبيرًا جدًّا.

رابعًا: تلك المنامات لو صدقت فلا يبنى عليها أي عمل في الدنيا، بل قصارى ما تدل عليه كرامة الله تعالى لهذا الإنسان، فالواجب على هذا الإنسان المؤمن الاستعانة بهذا – التعبير – في تقوية إيمانه ويقينه بالله تعالى لا أكثر، وكل ما خرج عن هذا الإطار فينبغي أن لا يبني عليه أي سلوك أو تصور، لأن الإنسان في عالم الشهادة مطالب بالالتزام برسوم الشرع، فلو افترض مثلا أن هذا الإنسان ظهر له في – الرؤيا – أن فلانًا من أقاربه يحسده أو يكيد له لا يجوز له أن يقطع صلته – التي هو متعبد بها في عالم الشهادة – على أساس مجرد انه فسر له أن فلانًا يكيد له في الرؤيا أو يريد به شرًّا، أو أنه شك في شخص معين من أقاربه، فالأصل في عالم الشهادة التمسك برسوم الشرع، لأن خطاب التكليف إلينا باعتبارنا بشرًا موجه عن طريقه.

في المجتمع الجزائري، الذي يعد وعيه هشًا بما يكفي لوقوع التداخل المفاهيمي بين – رأي الشرع – و – الأعراف والأنماط الاجتماعية – ينبغي أن نفهم أنه لا ينبغي تحميل -الشريعة – حصيلة تراكمية سيئة جدًّا من سوء التربية والمفاهيم الدينية المغلوطة والثقافة التي عززت روح الخرافة والالتجاء إلى الميتافيزيقا للهروب من الواقع السيئ، ينبغي أن نطور ثقافة متوازنة تحفظ للشريعة مكانها ومكانتها في نفوس الناس – حتى لا تصبح بابًا للشعوذة والدجل – وهي التي جاءت لحفظ كليتي العقل والدين، نحتاج اليوم إلى تعزيز ثقافة موضوعية علمية تقارب هذه المسائل من وجهة نظر تخصصية مستحضرين دائمًا أثر المروي عن  سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال لراعي الإبل التي أصيبت بالجرب  (هلا جعلت مع الدعاء شيئًا من القطران).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فتح الباري / ابن حجر العسقلاني , شرح صحيح مسلم / يحيى شرف الدين النووي , التمهيد لما في الموطا من المعاني والاسانيد / محمد بن عبد البر النمري القرطبي ,الاشارة في علم الكلام / فخر الدين الرازي , الرسالة / ابن ابي زيد القيرواني , الفواكه الدواني / احمد بن غنيم النفراوي المالكي ,
عرض التعليقات
تحميل المزيد