الإصلاح الزراعي في الصين، وهو برنامج اجتماعي اقتصادي كان ذا أولوية قصوى للنظام الشيوعي الصيني بشكل أساسي، من عام 1950 إلى عام 1952، بحيث جرى تنفيذه والتوسع فيه في مناطق شمال الصين، من خلال النضال الثوري ليشمل البلد بأكمله، حيث صادرت الحركة وأعادت توزيع الأراضي على الفلاحين على أساس الملكية الفردية، وسرعان ما تبع هذا المد المرتفع في الزراعة التحول الاشتراكي السريع في الصناعة والتجارة، وبحلول أوائل عام 1957 كانت عملية تأميم هذه القطاعات مكتملة بشكل أساسي، وجرت إزالة الملكية الخاصة إلى حد كبير من الاقتصاد الحضري، لكن كل هذه البرامج أنتجت اضطرابات في الاقتصاد، مما أدى إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف وتيرة هذا التغيير.

هذا ووضع ماو تسي تونغ خطًّا عامًّا من جانب واحد في يونيو (حزيران) 1953، نص على أنه سبجري الانتهاء من التحول الاشتراكي خلال فترة تتراوح بين 10 إلى 15 عامًا أو أطول قليلًا، وحذر من أخطاء الانحراف إلى اليسار، أو الانحراف عن الخط العام، وقد تسبب هذا في حدوث حالة من الذعر الفردي في أوائل عام 1953، وذلك من خلال انتقاد سياسات وزير المالية الضريبية آنذاك على أنها مفيدة للرأسمالية، لكن وفي صيف عام 1953، وعلى الرغم من نفاد صبره من سرعة التحول، دعم «ماو» منهج أكثر ليونة وأكثر براجماتية للرأسماليين التجاريين، الذين حثوا على سرعة التحرك نحو تأميم التجارة، وقد كانت النتيجة العملية لتجميع وتأميم هذه القطاعات هي ترسيخ المزيد من السيطرة الحزبية على الريف الصيني الشاسع.

بالإضافة إلى تنظيم الأسر الفردية في وحدات جماعية، كما كانت هناك إجراءات أخرى عمقت من الاستبدادية في المناطق الريفية، حيث كانت هناك ضوابط صارمة على حركة السكان، مما أدى إلى الحد من رجوع الفلاحين إلى قراهم، واحتكار الدولة للحبوب وغيرها، وقد ضمن هذا الاحتكار الإمدادات الغذائية للمدن، وبالتالي نجاح برنامج تصنيع لجان المقاومة الشعبية، والذي وضع في يد النظام الغذاء الذي سيتم بيعه إلى الريف لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان هناك، لكن أصبح سوء استخدام هذه السلطة فيما بعد مساهمًا حاسمًا في حدوث المجاعة الكبرى في غضون سنوات قليلة قادمة.

هذا ومع دستور الولاية الجديد لعام 1954 والتغيرات التنظيمية الأخرى، كان «ماو» رئيسًا حزبيًّا ورئيسًا لهيئة الإعلام والاتصالات وعلى رأس أعمدة السلطة الثلاثة، وذلك على الرغم من أن «تشو إن لاي» وهو رئيس الوزراء كان جوهريًّا في إدارة الدولة، بالإضافة إلى «تشن تشن» في السياسة الاقتصادية، لكن الهيكل الجديد للحزب «الدولة» أعاد تأكيد سيطرة «ماو» على الجيش، وذلك من مبدأ أن الحزب هو الذي يمسك بالسلاح، كما استبعد عدد من الشخصيات المهمة في الحزب خوفًا من منافستها لـ«ماو» مستقبلًا.

لكن كان هناك إجماع عند القيادة حول افتراض أنه يجب على الحزب أن يطلب تغذية راجعة من الجمهور، حيث جرى تشجيع النقد العلني للحكومة وبشكل معتدل فقط في عام 1956، وذلك لأنه كان دائمًا قبل ذلك محفوفًا بالصعوبات وواجه مقاومة من مسؤولين أقل مرتبة كانوا عرضة للانتقاد المباشر في وحدات عملهم، وفي مواجهة هذه المقاومة بدأ «ماو» بالدفع نحو قبول الانتقاد بشكل أكبر في فبراير  (شباط) 1957.

هذا وكان رد فعل المثقفين الذين خضعوا لحملات إيديولوجية مختلفة منذ عام 1949 حذرًا، لكن في ظل حث رسمي متكرر وبحلول مايو (أيار) انتشرت انتقادات واسعة النطاق للنظام، لكن في الواقع بقي الكثير من هذا النقد تحت المراقبة. وكان في المواضيع التي وضعها «ماو» بنفسه، إلا أن الهجمات المريرة على الكوادر الأقل مستوى، بالإضافة إلى تصريحات متطرفة «نادرة نسبيًّا» مهاجمة للحزب وحتى «ماو» نفسه، تسببت بقلق عميق داخل الحزب الشيوعي الصيني، ومن أجل ذلك كله بدأ في حملة مناهضة لليمين كانت قد صممت من البداية لاستعادة الوضع السابق، والتي شكلت حالة لهيمنة الحزب بدون منازعة ودون أي تعديل للسياسات الرئيسية على كل أوجه الحياة في البلاد.

كما استمر الاتجاه العام للسياسات الاقتصادية المعتدلة التي كانت سائدة في أوائل خريف 1957، ولم تكن هناك أي مؤشرات على إعادة توزيع السلطة، سواء بين المؤسسات أو الأفراد القياديين، ومع ذلك أدت العديد من التطورات إلى الضغط على السياسة الاقتصادية القائمة، كما أدرك المثقفون عدم موثوقية الافتراض بأنه يمكن الاعتماد على الاختصاصيين كعامل إيجابي للتنمية الاقتصادية، أيضًا جرى تقويض دعم المجتمع للنظام الذي عزز استرخاء 1956-1957، وذلك بسبب موجات من الإضرابات الصناعية وانسحابات الفلاحين الكبيرة من التجمعات الضعيفة الأداء، وهو ما أدى إلى جهود التعليم الاشتراكي بين العمال والفلاحين في صيف 1957، وذلك لإعدادهم تماشيًا مع سياسة الحزب، وأخيرًا فإن وتيرة النمو الاقتصادي لاسيما في الزراعة تخلفت عن التوقعات، وبالتالي كان هناك أساس لنهج متغير في التنمية، وهذه الاعتبارات غذت رغبة «ماو» الأساسية في تحويل الصين إلى دولة صناعية قوية بأسرع وتيرة ممكنة.

كانت سلطة الرئيس «ماو تسي تونغ» مطلقة بوصفه الإمبراطور الجديد، وتحت قيادته عمل النظام الشيوعي على تحقيق مشروعين ضخمين هما: 1- القفزة الكبرى إلى الأمام «1958-1960». 2- الثورة الثقافية «1966-1968». كما أظهر «ماو» خلال الثورة الثقافية علامات على جنون العظمة، لكن ذلك كان يفسر بشكل عام على أنه ثقة زائدة «فائقة»، وذلك على الرغم من ادعاءاته خلال الثورة الثقافية أنه قد عارضه العديد من قادة الأحزاب، إلا أن أسلوب حكمه كان يقل بطشًا أو اضطرابًا بحسب قوة معارضة لجان المقاومة الشعبية، وعلى الرغم من استمرار فرضه لوجهات نظره في عدد صغير من الحالات.

فإنه كان بصفته رئيسًا لمجلس الإدارة للحزب والدولة معًا، سمح لزملائه الأكثر تخصصًا بتشكيل برامج في مجالات اختصاصهم الخاص، حيث كان موقف «ماو» الأيديولوجي حتى عام 1956 هو الماركسية الأرثوذكسية، التي شهدت انتصارًا اشتراكيًًّا من حيث الاستيلاء على ملكية قوى الإنتاج، ولكن كانت مهمته السياسية فيما بعد هي الزيادة النسبية والتعديل من وتيرة التحول الاشتراكي، وحتى في الحالات القليلة نسبيًّا التي فرض فيها أراءه، كان أسلوبه منهجيًّا وعقلانيًّا، حيث انطوت العملية على قدر كبير من النقاش والجهود لإقناع زملائه، ورغم أن مبادراته كانت جريئة وجديدة، فإنها كانت ما تزال معتدلة في كثير من النواحي.

كما كان دور «ماو» الأقل تدخلًا نتيجة التركيز على التنمية الاقتصادية وإجماع النخبة في الرأي القائل بأن الصين يجب أن تتبع النموذج السوفيتي، وهو موقف يشترك فيه «ماو» بشكل كامل مع الآخرين، حيث أعلن «ماو» لاحقًا قائلًا: «بما أننا لم تكن لدينا خبرة، كان بإمكاننا فقط نسخ تجربة الاتحاد السوفيتي، فيما كان إبداعنا صغيرًا»، وقد كان هذا الأمر في كافة المجالات المختلفة وخاصة المسائل الرئيسية، بما في ذلك الاستراتيجية والأساليب الاقتصادية والإقراض واسع النطاق.

والتحديث العسكري والمؤسسات الحكومية، حيث كان يجري الاستنساخ الأعمى للممارسات السوفيتية بمساعدة من الخبراء السوفيت أنفسهم، عدا السياسة الريفية التي أشرف «ماو» على تعديلات كبيرة عليها من النموذج السوفيتي.

لكن كانت أزمة المجاعة التي أوجدتها القفزة العظيمة لـ«ماو» هي الأعمق في تاريخ جمهورية الصين الشعبية، كما تفاقمت المجاعة أكثر نتيجة تراجع معنويات السكان وكوادر الحزب على حد سواء، وتراجع النظام الاجتماعي، وتضاعفت الأسواق السوداء والممارسات الخرافية، لكن طوال عام 1961 جرى تنفيذ سلسلة من التدابير للتعامل مع الوضع، أهمها تخفيضات جذرية في الاستثمار المفرط، ونقل الموارد إلى الزراعة والصناعات الاستهلاكية، وإنهاء اللامركزية الراديكالية لتعزيز التنسيق الاقتصادي.

وتعديل تنظيم البلديات لتكريس السلطة على نحو متزايد في فرق الإنتاج، وهي أصغر وحدة ريفية، والسماح للفلاحين بقطاعات خاصة وأسواق حرة، والتأكيد على الحوافز المادية في كل من المناطق الحضرية والريفية، واستعادة سلطة مديري المصانع والموظفين التقنيين.

كما جرت صياغة وثائق الحزب التي تضع سياسات منتظمة في المجالات الوظيفية الرئيسية، بحيث يكون كل منها تحت إشراف قائد للحزب من ذوي الخبرة ذات الصلة، كما ركز «ماو» على العلاقات المتدهورة مع الاتحاد السوفيتي، وعلى المشكلة الأوسع المتمثلة في إعادة توجيه النظام من النهج المفرط للضغط العالي إلى التشديد على ديمقراطية الحزب الداخلية وصنع السياسات بحذر، حيث كان مطلوبًا التحقيق والبحث الدقيق قبل اتخاذ القرارات.

وهكذا تأثرت هيبة «ماو» سلبًا في أوساط الجمهور، وحتى في أقسام الحزب الشيوعي الصيني من جراء كثير من الإخفاقات، وكانت الأزمة عميقة خصوصًا في مؤتمر الكوادر السبعة آلاف في يناير (كانون الثاني)/ فبراير عام 1962، حيث كان هناك استياء كبير من الرئيس في هذا التجمع الضخم للمسؤولين من مختلف المؤسسات والمستويات الإدارية، إلى الحد الذي شعر فيه «ماو» بأنه من الضروري تقديم نقد ذاتي، وإعادة تأكيد صحة خط السياسة العظيمة، وهكذا اعترف «ماو» بمسؤوليته عن الوضع الحالي، وأعلن أنه خاضع لإرادة الأغلبية، كما اعترف بأن الحزب لم يتمكن من تنظيم مجموعة كاملة من المبادئ التوجيهية خلال قفزته على النقيض من سياسات مقنعة تمامًا من فترة النموذج السوفيتي.

وقد كانت النتيجة الصافية في 1963-1965 هي سياسة الغموض، كما كان جوهر هذا الغموض هو علاقة «ماو» بزملائه، حيث كان «ماو» أبعد ما يكون عن زملائه وغالبًا ما يكون خارج العاصمة، إضافة إلى المواقف الغامضة للرئيس وكيفية التأكد من أنها تتفق مع رغباته فقط، وكان العمل دائمًا من أجل التوصل إلى موقف توافقي يعتقدون أنه كان مقبولًا عند «ماو» ومن ثم تقديمه له، وقد نجح ذلك في الأغلبية الساحقة من القضايا، حيث قام الرئيس بالتوقيع حتى على تلك السياسات التي تم شجبها على أنها مراجعة وخيانة للماركسية/ اللينينية خلال الثورة الثقافية.

هذا وكانت القضية الأكثر دراماتيكية تتعلق بصياغة خطة خمسية جديدة للاقتصاد في عام 1964، وبعد مراجعة خطة المسودة وتعديلها بدقة بما يتفق مع تصوراتهم عن رغبات «ماو»، إلا أن «ماو» غضب من المخططين ووصف جهودهم بأنها تمارس إيديولوجية «الكومينتانغ»، وذلك في إشارة إلى الحزب السياسي العدو للحزب الشيوعي الصيني، ولم يُدخل الرئيس فقط تغييرات على الوثيقة، بل همَّش أيضًا لجنة تخطيط الدولة؛ مما أدى إلى إنشاء لجنة تخطيط صغيرة من صغار المسؤولين لتولي مهمة التخطيط.

كما ظهرت علامات على زيادة البروز العسكري، والذي أدى دورًا أكثر نشاطًا في الشؤون الثقافية «تمهيدًا للثورة الثقافية لاحقًا»، حيث نقل عدد كبير من ضباط جيش التحرير الشعبي إلى إدارات سياسية جديدة، وذلك على النمط العسكري في المؤسسات المدنية، كما أن نطاق ودور الضباط المحولين كان غير واضح، لكن الأدلة المحدودة والتي توفرت أشارت إلى استيعابهم في منظماتهم المدنية الجديدة، بحيث بدأوا في تبني وجهات نظر تلك المنظمات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد