هناك صورة نمطية يتم الترويج لها من قبل الدعاية البرجوازية بأن الاشتراكية تساوي الفقر، أو أنها تعني العدالة في توزيع الفقر، مستدعية في ذلك بعض الصورة والمفاهيم المغلوطة الراسخة في وعي الشعوب.

 

الستالينية

فمن ناحية كان لتقديم الاتحاد السوفيتي في نسخته الستالينية التي قمعت وأفقرت العمال، ومن سار على نهجها بعد ذلك من دول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كنماذج للدول الاشتراكية، أثر كبير في ترسيخ مثل هذه الفكرة.

ولكن في الحقيقة لم يكن الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين، ومن تلاه، اشتراكيًا، بل كان – كما يقول توني كليف – نظامًا لرأسمالية الدولة، حلت فيه البيروقراطية وقطاعات من الطبقة الوسطى والمثقفين دولة الموظفين محل القيصر حاشيته من رجال الأعمال في استغلال الطبقة العاملة.

فبعد فشل الثورة الألمانية وعزلة السوفيتات العمالية في روسيا وتزايد قوة البيروقراطية داخل الحزب والنقابات العمالية انتصر طرح ستالين حول امكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد؛ فتحولت الترويكا التي نشأت مع الثورة البلشفية من خلايا الحزب في ادارة المصنع واللجان العمالية للوحدات الصناعية والمدير التقني الذي كان يخضع لإشراف منهما معًا تدريجيًا إلى مجرد اسم.

ومع توجه دولة ستالين نحو التصنيع الكبير، مدفوعة بالمنافسة مع الرأسمالية الغربية صدرت في فبراير (شباط) ١٩٢٨ وثيقة بعنوان (تعليمات أساسية متعلقة بحقوق وواجبات موظفي المؤسسات الصناعية) وضعت نهاية للترويكا، وأقرت السيطرة الكاملة للمدير (الرجل الواحد).

كما تم تجريم الإضراب تحت شعارات مصلحة الوطن، وذلك علي عكس كلام لينين وتروتسكي الدائم عن حق العمال في الدفاع عن أنفسهم حتى ضد دولتهم، حيث يقول لينين: دولتنا الحالية هي دولة عمالية بها بعض التشوهات البيروقراطية… دولتنا هي دولة تجعل من الضروري بالنسبة للبروليتاريا المنظمة تمامًا أن تحمي نفسها ضدها، ومن الضروري بالنسبة لنا أن نستخدم هذه المنظمات العمالية في حماية العمال من دولتهم، وذلك حتى يحمي العمال دولتنا.

كل هذه الممارسات كانت تهدف الى تكثيف الضغط على العمال و مكتسباتهم دون مقاومة منظمة.

ليس هذا وفقط، بل مارس الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين ومن تلاه ممارسات استعمارية صرفة ضد شعوب أوروبا الشرقية، ومارس القمع العسكري ضد الحركات الاحتجاجية والثورية التي قامت بها كما حدث في بولندا وألمانيا الشرقية والمجر… إلخ، كما استخدم الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم المختلفة لدعم موقف الاتحاد السوفيتي، ولو كان هذا على حساب حركة العمال في بلادهم.

وهذا ينفي تمامًا صفة الاشتراكية عن نظام ستالين ومن تلاه ومن سار على نهجه.

كان كل ذلك على حساب طرح تروتسكي حول الثورة الدائمة وإمكانية قيام دولة عمالية في بلد واحد لبعض الوقت، ولكنها لن تستطيع الصمود والاستمرار، دون تصدير الثورة لبلدان أخرى، فلا يمكن وفقًا له بناء الاشتراكية في بلد واحد، وعلل تروتسكي ذلك بالعجز الذي لدى أية دولة منفردة في بعض الموارد التي بالفعل قد تكون متوفرة لدى بلدان أخرى، وكذلك ضرورة تحطيم كل مقاومة برجوازية الدول المختلفة، التي تتناسى خلافاتها وتدعم بعضها البعض في مواجهة الثورات الاجتماعية عالميًا.

 

الزيادة السُكَّانية

من جهةٍ أخرى، تُروِّج البرجوازية لصحة الافتراض القائل بأن أصل الأزمة يكمن في الزيادة السُكَّانية التي تلتهم الموارد، تلك الفكرة المعروفة بالمالتوسية (نسبةً إلى الاقتصادي توماس مالتوس، وهو أول من وضعها في نهاية القرن الثامن عشر) فمعدل النمو السكاني وفقًا لمالتوس يزيد بشكل أُسّي، بينما يزيد معدل النمو في الموارد بشكل عددي، وبالتالي يُؤكِّد مالتوس على ندرة وعدم كفاية الموارد بالمجتمعات لسد حاجات البشر، وبناءً عليه، يقولون إن ما تهدف إليه الاشتراكية من توزيعٍ عادلٍ للثروات يعني أن البشر سيعيشون جميعًا في فقر.

ولكن لو نظرنا إلى التفاوت الرهيب في توزيع الثروة محليًا وعالميًا من ناحية، وفي المقابل إلى أن زراعة 44% فقط من أراضي العالم القابلة للزراعة يكفي لإعاشة من 10 إلى 12 ضعف عدد سكان الأرض الحاليين كمثال، سنجد أن موطن الخلل الرئيسي ليس على الإطلاق نقص الموارد، ولكنه طبيعة النظام الرأسمالي وسعيه المحموم وراء الربح وليس تنمية الموارد لتلبية احتياجات البشر، وما ينتج عن ذلك من وجود أقلية ضئيلة للغاية تستحوذ على معظم الثروات ونواتج التنمية وأغلبية مطلقة لا يصلها إلا فتات هذه التنمية، ولو أضفنا لذلك التقدُّم التكنولوجي الهائل الحاصل الآن سنكتشف مدى تهافت هذا الطرح.

فوفقًا لمجلة فوربس الاقتصادية، فقد وصل مجموع الثروات المتراكمة لأغنى 500 ملياردير حول العالم إلى 4.4 تريليون دولار، بعد أن زادت بمقدار تريليون دولار في العام الماضي 2017 وحده، ومجموع ثروات 1645 مليارديرًا تقدر بـ6.4 تريليون دولار، بينما لم يحصل النصف الأفقر من سكان العالم إلا على 1% من الزيادة في الثروة العالمية طوال القرن الماضي.

إن الترويج للمالتوسية هو أحد حيل البرجوازية لتزييف وعي الفقراء وإخضاعهم، وتعزيز التنافسية في ما بينهم بدلًا عن التوحُّد ضد عدوهم الطبقي المشترك. وعلاوة على ذلك، يرفع هذا الوهم الحرج عن البرجوازية بحجة أن نقص الموارد هي سبب الفقر والأزمات وليس طبيعة النظام وطريقة توزيع الثروة فيه، كما أنه أيضًا مُبرِّرٌ لوجود البرجوازية كحَكَمٍ بين الفقراء المتصارعين على الموارد، التي يُزعَم ندرتها، كطرفٍ يدَّعي الحياد.

هل تؤدي الاشتراكية إلى كسل العمال؟

ومن جهةٍ ثالثة، تُروِّج البرجوازية كذلك إلى أن الاشتراكية ستؤدي إلى كسل العمال نتيجة لغياب الحافز الفردي، وبالتالي ضعف إنتاجية المجتمع.

أما عن كون الاشتراكية تؤدي إلى كسل العمال نتيجة لغياب الحافز؛ وبالتالي تقليل الناتج الإجمالي للعامل، فهذا نابع من الأوهام التي تُروِّج لها الرأسمالية والدولة التي تحميها وترعى مصالحها، حول أن العمل مسئولية فردية، وليس مسئولية اجتماعية يتشارك فيها الجميع، ولكن العكس هو الحقيقة؛ فحالة الاغتراب التي يعاني منها العامل في ظل النظام الرأسمالي هي ما يدفع العامل للكسل والعمل بلا دافع حقيقي، وما كل ما يقال حول الاشتراكية والكسل إلا لتبرير معسكرات العمل وزيادة ساعاته لتحقيق أكبر ربح ممكن بأقل تكلفة ممكنة، وفي المقابل خلق جيوش البطالة من العاطلين خارج بوابات مواقع العمل والإنتاج.

إن هم الاشتراكية الأعظم في الحقيقة ليس زيادة الإنتاجية بقدر ما هو تحقيق الكفاية للجميع والأهم تخليص العامل من كل ما يُحوِّله إلى مجرد ترس في آلة منتجة، إن الهم الأكبر للاشتراكية هو تخليص العامل من حالة الاغتراب التي يعانيها عن عمله وعمَّا ينتجه من سلع، بالقضاء علي الرأسمالية والتقليل قدر الإمكان من ساعات عمل العامل لصالح آخرين؛ مما يُحقِّق التشغيل الكامل للعمالة والقضاء علي البطالة، ويُحقِّق أعلى إنتاجية ممكنة على المدى القصير لصالح المجتمع ككل، كما يمنح العامل الوقت لتنمية مهاراته والقراءة والتأمل والإبداع والإضافة للبشرية في كل مجال، وبالتالي زيادة الإنتاجية على المدى المتوسط والطويل، بل إن الاشتراكية – التي لا يهمها فائض القيمة – ستسعى عبر التكنولوجيا الحديثة لتحقيق الميكنة الكاملة للعملية الإنتاجية لتحقيق أكبر قدر من السعادة والراحة للبشرية جمعاء.

تعزيز النزعة الاستهلاكية

كما يسعى النظام الرأسمالي عبر الدعاية المكثفة إلى تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى المواطن وذلك بتحفيزه لشراء بضائع وخدمات ليس في حاجة فعلية لها أو شراء كميات أكبر كثيرًا جدًا من حاجته من سلع معينة فيما يعرف بتنمية الطلب الفعال كجزء من عملية إعادة تدوير استغلال المواطن عالميًا. ويكفي أن نعلم  كمثال ان مبيعات مستحضرات التجميل في عام 2013 فقط بلغت 170 مليار دولار وهو ما يساوي ميزانية بعض الدول لنرى مدى تأثيره الدعاية الرأسمالية على وعي العمال والطبقة الوسطى بالمجتمع.

الفقر.. الوجه الآخر للجشع الرأسمالي

إن كل ما يُروَّج له عن أن الاشتراكية تعني الفقر، أو المساواة في توزيع الفقر، هو في الحقيقة الوجه الآخر للأوهام والأكاذيب حول ندرة وعدم كفاية الموارد لسد حاجة البشر، فالقاعدة الأساسية التي تُبنى عليها الأفكار الاشتراكية هو أن الرأسمالية قد خلقت، من خلال استغلال الجماهير العاملة، الكثير الموارد والثروات التي تكفي لسد حاجة البشر، وهذا ما تؤيِّده الدراسات العلمية والإحصاءات بالفعل. لكن المشكلة مُتأصِّلةٌ في طبيعة النظام الرأسمالي القائم علي الربح ونهب فائض القيمة، والتوزيع غير العادل للثروة محليًا وعالميًا، والاستسلام لمفاهيم أنتجتها الرأسمالية حول الحدود والقوميات. على الأرض بالفعل ما يكفي لسد حاجة كل البشر، ولكن ليس هناك ما يكفي لسد جشع الرأسماليين.

 

أما التقدُّم الذي تطرحه الاشتراكية، فهو العدالة في توزيع الثروة وتسخير كافة الموارد البشرية والطبيعية لصالح كل المجتمع والسعي لتحقيق تكامل اقتصادي عالمي لا يقيم وزنًا للحدود والتقسيمات الجغرافية الضيقة (عولمة بروليتارية)، تتكامل فيها الموارد ويتحوَّل فيها العمل من مسئولية فردية يتحمَّل عبئها الفرد بمعزل عن المجتمع إلى مسئوليةٍ اجتماعية يجب أن يتحَّمل الجميع عبأها ومشقتها، وأيضًا يجب أن يتمتَّع الجميع بثمارها بعدالة.

 

هذا هو المدخل الذي يؤدي إلى الغاية النهائية للاشتراكية، التي تكمن، بحسب كارل ماركس: في توفير الوسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية للتنمية الكاملة لكل القدرات الإنسانية الكامنة في كلِّ إنسان؛ بهدف أن يستطيع كلُّ طفلٍ يحمل في داخله عبقرية موزارت أن يُصبِح موزارت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاشتراكية
عرض التعليقات
تحميل المزيد