بين تأثير كل من التاريخ والفلسفة في نشأة علم الاجتماع، قد يصاب البعض بالحيرة في نسبة الفضل الأكبر للتاريخ أم للفلسفة في الإسهام لتأسيس هذا العلم في سياقه الغربي الحديث. هذا السياق التاريخي الذي ارتبط بظروف التحول الاقتصادي والسياسي والإجتماعي والفكري في المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت، لذلك فيما يتعلق بالسياق التاريخي فإن نشأة علم الاجتماع الوضعية في الغرب مستقلة عن نشأته في الشرق، على الرغم من فضل ابن خلدون في نشأة علم الاجتماع أو علم العمران البشري كما أسماه.

يرجع انفصال النشأة الغربية لعلم الاجتماع عن نشأته في الشرق إلى أن أعمال ابن خلدون قرئت من المفكرين الغربيين في وقت متأخر نسبيًا بسبب الحواجز اللغوية والثقافية، كما أن ارتباط إنجاز ابن خلدون بالحضارة العربية الإسلامية الغاربة في ذلك الوقت كتب لعلم الاجتماع الغربي أن يسود وينتشر لارتباطه بالحضارة المهيمنة.

يرى كثير من علماء الإجتماع أن التاريخ هو المعمل الأكبر لتجارب علم الاجتماع، فمن خلال إعادة تحليل وبناء المادة التاريخية يمكن للباحث الاجتماعي إعداد الدراسة الدقيقة للظاهرة محل الدراسة. من المعروف أيضًا أن ابن خلدون عندما كان يحضر لمقدمته، لاحظ أن الأخبار التي أوردها المؤرخون قبله تختلط بالأساطير والروايات؛ مما أدى إلى استحالة التمييز بين الصحيح والباطل من الأخبار، فهداه تفكيره إلى دور القوانين والإنتظامات التي تحكم حركة المجتمع في تمييز الأخبار التاريخية الصحيحة من الخاطئة. وبهذا يمكن القول أن ابن خلدون اكتشف علم الاجتماع أثناء البحث التاريخي.

هذه العلاقة الوثيقة بين التاريخ وعلم الاجتماع لا تنكر حقيقة أن طفولة علم الاجتماع كانت بين سطور الفلسفة، وأن كل دارس لتطور الفكر الاجتماعي لا يستطيع التخلي عن العودة إلى الفلسفة وتتبعها منذ أن كانت تأملات عامة مفككة غير مرتبطة بمنهج معين وينقصها النزعة التحليلية، وذلك في الشرق القديم إلى أن تناولتها أيدي فلاسفة الإغريق فنظموها تنظيمًا منهجيًا موضوعيًا واضعين أسسها التي ما زلنا نرجع إليها حتى الآن.

كان كتاب الجمهورية لأفلاطون الذي بشر فيه بالمدينة الفاضلة محتويًا على آراء اجتماعية هامة عن المجتمع المثالي الذي تسوده العدل والفضيلة ويشرف عليه الفلاسفة والمفكرون. ثم جاء أرسطو في السياسة ليناقش مسائل علم الاجتماع، ولكن بشكل غير مستقل، وإنما كمدخل لنظرية الدولة.

ثم جاء الفارابي في كتابيه السياسة المدنية وأهل المدينة الفاضلة ليناقش مسائل اجتماعية، ولكن مرة أخرى مختلطة مع الفلسفة وآرائه فيها التي ورثها عن أفلاطون وأرسطو إلى حد كبير.

حتى عندما تأسس علم الاجتماع الحديث في أوروبا في الربع الأول من القرن التاسع عشر، كان ذلك في معترك الصراع بين تيارات فلسفية متعارضة سبقت وواكبت سقوط النظام الاجتماعي القديم (الإقطاع) وصعود النظام الجديد (المجتمع الصناعي الرأسمالي). تيارات فلسفية سياسية وأخلاقية تنويرية ساهمت في هدم القديم أو مضادة للتنوير روجت للقيم الإجتماعية والأخلاقية للنظام القديم.

لذلك على الرغم من ظهور علم الإجتماع بالشكل الوضعي الغربي الحديث على يد أوجست كونت وتلميذه دوركايم، ووضع أسس له حددته عن الفلسفة وجعلته مستقلًا عنها، إلا أن علم الاجتماع ظل وثيق الارتباط بالفلسفة. فهو ككل علم له فلسفة علمية تنطوي على المسلمات الأساسية التي ينهض عليها علم الاجتماع، كما تنطوي على منطق البحث الاجتماعي الذي يصوغ النتائج التي يصل إليها البحث في صورة تعميمات وقوانين وصولًا إلى بناء النظرية الاجتماعية.

هذا عدا علاقة التأثير المتبادلة بين الفلسفة وعلم الاجتماع، فعلماء اجتماع مثل دوركايم وماكس فيبر وكلود ليفي شتراوس وكارل ماركس أنتجوا تأثيرًا ملموسًا في فلسفة الأخلاق وفلسفة المعرفة. كما أن فيلسوفًا عظيمًا مثل كانط أثرت فلسفته المحدثة التي ميزت بين الظواهر الفيزيقية التي يمكن تطبيق مناهج البحث العلمي عليها وبين الظواهر الروحية أو الإنسانية (نفسية واجتماعية وثقافية) التي لا يمكن تناولها بمنهج البحث العلمي، أثرت كما نقول في تطوير ماكس فيبر لمفهوم الفهم التعاطفي بوصفه أداة فعالة لشرح ودراسة الظواهر الاجتماعية.

كذلك لعبت أفكار هوبز وجون لوك وروسو ومونتسكيو الفلسفية دورًا هامًا في التمهيد لتأسيس علم الاجتماع. وبذلك يمكن القول إن الفارق بين الفلسفة وعلم الاجتماع لا يلغي حقيقة انطلاق علم الإجتماع داخل إطار الفلسفة، وأن كثيرًا من الشروحات الفلسفية على مدار التاريخ تمت فيها ولو على استحياء معالجة ظواهر وإشكاليات اجتماعية. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أسس علم الإجتماع
مبادئ علم الإجتماع
شبكة الإنترنت
عرض التعليقات
تحميل المزيد