لماذا نتعلم؟ نتعلم لنرتقي. حسنًا، لماذا نرتقي والجميع في أسفل سافلين؟

هل أولئك الذين يرتقون بأنفسهم، يفعلون ذلك لأجل أنفسهم؟ أم لأجل الآخرين؟

عندما تتناثر العبارات حول مسألة ما، تدعها متناثرة إذ إنك لا تستطيع أن تعبر بما في داخلك، لا أعرف كيف سأبدأ مقالتي هذه، أو ما الكلمات المناسبة التي من خلالها سأجد راحتي، لكي أعبر لكم عن هذا الواقع المؤلم والحزين؟ هل حقًا أنا جاهز بما فيه الكفاية لأحدثكم عن مدى تخلف هذا المجتمع، فأنا في آخر المطاف مجرد شخص سئم كل تلك الأعذار التي يزعمون أن بها سيبررون فشلهم في مواكبة التطور الحضاري، وهذا ما يجعلني صراحة أتساءل مع نفسي، هل هناك سبب مباشر وراء تخلف هذا المجتمع عكس باقي المجتمعات، أم أن هناك عوامل أدت إلى ذلك؟ أسئلة عديدة أواجهها يوميًا، ولا أعرف كيفية الإجابة عنها، لأنني كذلك ضحية لهذا المجتمع الذي قتل كل ما هو جميل بداخلي، لكن رغم ذلك ما زلت أقاوم وأدافع بكل ما أوتيت من قوة عن أفكاري وآرائي التي ربما قد تتسبب بمقتلي في مجتمع كهذا.

الفكر العاهر والمعتوه، الانحطاط الفكري، التخريف، عذرًا على بشاعة بعض الكلمات، لكن كل هذه العبارات والكلمات يمكنني أن أستعملها ضد هذا المتجمع، فهذا الأخير يجعلني أعيش حالةً من التعاسة التي تكاد أن تخلع روحي من جسدي، حيث تجد الناس تمارس الدعارة الفكرية دون وعي ودون إدراك لواقع قد يمزقهم في المستقبل القريب، المشكل ليس في انعدام ثقافة هذا المجتمع، بل المشكل أكبر من ذلك بكثير، إذ إنك تجد بعض الناس تقدس هذا التخلف والانحطاط الفكري وتعتبره مقدسًا وخطًا أحمر لا يجب المساس به، ويورثون هذه الأفكار للجيل القادم على أنها موروث ثقافي، ويجب علينا أن نحميه من الضياع، فحتى من الناحية الدينية، والدين بالنسبة إليهم مجرد تعاليم يجب عليك اتباعها، وإن لم تفعل فمصيرك هو العذاب الأبدي، إذ إنهم يصورون الله بصورة عنيفة ووحشية، ولذلك فهم لا يعتبرون الإسلام حالة كيان بحيث إنه يعني إسلام النفس للوجود، ولا ينظرون لهذا الكيان، بحيث إنه سيجعلهم سالمين ومستسلمين لقوانين الكون، فنظرتهم للأديان بشكل عام تبقى سطحية، فهم بالطبع لم يختاروا دينهم، ولم يبحثوا ولم يشككوا في معتقداتهم إن كانت على صواب أم لا، بل يرددون عبارتهم المفضلة والتي هي سمعنا وأطعنا وهذا ما ورثنا عن أجدادنا، وبسبب هذه العقلية أصبحنا نرى شبابًا في مقتبل العمر يتركون كل شيء وراءهم وينضمون لجماعات متطرفة تدعو للقتل وسفك الدماء باسم الدين والرب، وأصبحنا نرى الناس تقدس الخرافات وتهين المرأة وتعتبرها ناقصة عقل، وناس تكفر بعضها بعضًا باسم الدين، فهذا الأخير بالنسبة إليهم أصبح حرفة يتاجرون بها وحيلة يستعملونها لتبرير أفعالهم التي لا أطيقها والتي تثير غثياني.

هكذا هو مجتمعنا للأسف، مجتمع فاسد والجميع متواطئون في إفساده، وبالجميع لا أعني الكل، بل كل من أعطته نفسه أن يفسد هذا المجتمع دون أن يكترث للعواقب التي ستنتج عن ذلك، حياتهم الزوجية، طريقة تعايشهم، حبهم للجسد قبل الروح، تربية أولادهم، كل هذه الأشياء جعلت الزواج في مجتمعنا جريمة وكارثة إنسانية لأن الهدف منه أصبح هو أن يعقل الابن، فهم يعتبرون تلك الفتاة المسكينة مصحة نفسية ليصلحوا بها ما أفسدته تربيتهم الفاسدة، فتخريب المجتمع أصبحت هوايتهم الرئيسية، وزواجهم الفاشل قام بتكوين جيل جنسي لا يعرف عن الزواج سوى الأجهزة التناسلية، نعم هكذا هو الزواج في مجتمعي، التربية التي تلقاها ذلك الشخص جعلته ينظر للجسد قبل الروح، وهي كذلك تنظر للمال والسمعة قبل الروح، والضحية دائمًا يكون ذلك الطفل البريء، لأن مستقبل ذلك الطفل يقف على علاقة الأم مع الأب، ونسبة الطلاق ارتفعت بسبب غبائهم الذي دمر العديد من الأطفال وما زال سيدمر المزيد، وصدق أو لا تصدق أيها القارئ ففي مجتمعي السعيد هذا، الآباء لديهم عادي جدًا أن يشتموا بعضهم بعضًا أو حتى أن يضربوا بعضهم بعضًا أمام أطفالهم، لكن أن يقوم الزوج بتقبيل زوجته أو أن تكون بينهم رومانسية متبادلة أمام أطفالهم فهذا حرام ورجس من عمل الشيطان، وعندما ينحرف الأبناء عن الطريق يبدأ الآباء بإلقاء اللوم والتهم على الحكومة وعلى المجتمع، متناسيين أن هذا الأخير يرتقي بتربيتهم لأبنائهم، يقومون بزرع الحقد والكراهية في أبنائهم، ويجعلونهم قنابل موقوتة تنتظر الانفجار ويا له من انفجار سيقع إن حدث، فذلك السفاح وذلك المجرم وذلك المغتصب دون الحديث عمن يعاني مشاكل نفسية مع ذاته، فهم لم يختاروا هذا النمط من الحياة، بل في الحقيقة المجتمع من دفعهم إلى ذلك بحيث إن رجعت إلى طفولتهم ستجدهم ملائكة تحتاج إلى تربية وتوعية، لكن للأسف الشديد، طفولتهم تمت اغتصابها من طرف مجتمع فاسد لا يرحم بتاتًا، فنعم، هذا هو مجتمعي، الذي أتمناه أن يدرك الواقع قبل فوات الأوان.

ها أنا أتساءل الآن مع نفسي مجددًا، ما فائدة التقدم في مجتمع يقمع كل الآراء ويعتبرها زندقة ولا يعطي قيمة للحوار الثقافي، والآباء لا يكترثون للمستقبل طالما أنهم يعيشون اللحظة؟ أسئلة عديدة سأتركها للمستقبل لكي يجيب عنها.

مع أطيب تحياتي للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد