لقد تحررت المجتمعات الأفريقية من الاستعمار، أو على الأقل هذا ما يقال عنها في الحاضر، لقد كان من المفروض أن نكون حصلنا على استقلالنا من مستعمر استنزف كل شيء، لكن الوضع الحالي بالنسبة للمواطن العادي لا يفرق أي شيء، ما زال فقيرًا منصاعًا لسطوة الأقوى والأغنى.

لذا من العادي أن تسمع من مسن أو حتى شاب تمني عودة الاستعمار كي يتحسن التعليم ويسود الأمان مجددًا في ظل الانفلاتات التي أضحينا نعيشها كل يوم أمام مجرمين مدججين بالسلاح في واضحة النهار، أمام المستشفيات التي فاق عدد الضحايا قدرتها الاستيعابية، أمام أطباء يخبرهم العامة أن من حقهم التداوي وحتى الأدوية مجانًا، أمام تعليم تتغير مقرراته كل سنة وتزيد فيه سطوة اللغة الفرنسية يومًا بعد يوم.

فالمستعمر الفرنسي إن كان قد غادر التراب المغربي فهو ما زال يعيش بيننا، في عقول السياسيين الذين ما إن درسوا في «ماما فرنسا» حتى نسوا هويتهم وعادوا بفكر مشتث لا هوية له، في مجتمع يعبرر التحدث بالفرنسية جاهًا وانتماءً لطبقة الأرستقراط، كي يربوا جيلًا لا يتحدث إلا بالفرنسية وفي حصة اللغة العربية يطلب من الأستاذ في الجامعة أن يدرس مع الأجانب كونه درس بالمدارس الفرنسية ولا يجدر به ربما مخالطة المتحدثين باللغة العربية.

إن إشكالية اللغة لها بعدان: التشبث بلغة المستعمر تحت ذريعة البحث العلمي والأجدر بهم تعليم الإنجليزية أو ربما الصينية لغة المستقبل والعالم، وإشكالية التنصل من الهوية العربية، فأينما صادفت العربي في هذا العالم تحدثتم بكل اللغات إلا العربية.

جيل لا يعرف العربية هو جيل بلا هوية، لا يقرأ القرآن، لا يقرأ الشعر العربي ولا التراث العربي الذي كان في زمن ما يجمعنا تحت راية واحدة بعيدًا عن التعصب والنزاعات السياسية، التي جعلت كل دولة تنشق عن جارتها وتوظف كل شيء للنيل من رضا المستعمر حتى ولو على حساباتها.

ما زلنا إلى حد اليوم نشكر الطرق التي أنشأها المستعمر ولم يستطع الاستقلال شق أحسن منها أو على الأقل مثلها، ما زالت طرقنا مشققة وبنياننا متصدعة، ما زلنا لا نتقن غير تخوين الآخر وبث سيناريو الخونة، كي نجعل الشعوب المستضعفة تحس أنها ذكية ولم تنطل عليها الألاعيب أو بوصف أدق لعبة الغرب، ما زال المغربي يمجد ماما فرنسا بكل سياساتها وما زال يعيش بلا هوية يصلي الجمعة ويمضي سهرة السبت بين زجاجات النبيذ يحلم بالحور العين ويسكر من ضعفه وتشدقه.

لقد دفعنا ثمن الاستعمار غاليًا وما زلنا ندفعه دفاعًا عن الصحراء المغربية التي ألزمت العديد من التنازلات، لكن الثمن الأغلى هو هاته العقول المغيبة التي لم تقرأ التاريخ، لقد سمعت عنه في أخبار الظهيرة بعد أن هنأت المذيعة الحاجة على ولادة الأرنب وتوسع مشروع التنمية التي بدأ قبل سنوات واستطاعت الحاجة اليوم امتلاك 10 أرانب، إنه إنجاز كبير لشعب لا يقرأ ولا يرى من الأشياء إلا ظواهرها.

إن جهل الجيل الحالي وانفصامه وانفصاله عن هوية العربية له انعكاسات كارثية لن تظهر إلا مع الزمن، ولعل بوادرها منشور قرأته لشخص يبرر تبرع المغرب بملايين الدولارات قائلًا أن فرنسا طوال السنين الماضية كانت تمنح المغرب الملايين، بل وحتى المليارات، فلا بأس إن واسيناها في محنتها، في محنة حريق الكنيسة المشهورة في باريس.

أولًا وبغض النظر عن مكان الكنيسة، فهي معلمة تاريخية من المؤسف أن تدمر معالمها إثر هفوة أو خطأ غير مقصود أتى بالعديد من أجزائها، ثانيًا كونك جاهلًا بالسياسة والتاريخ هذا ليس عيبًا، كلنا جهلاء ولا نفهم في كل شيء وهذه إشكالية أخرى، العيب هو أن تتبرع لجارك الغني الذي استولى يومًا على كل محاصيلك وأهل بيتك جياع عراة لا سقف للبيت الذي يأويهم، لا مشفى يداويهم، لا مدرسة تعلمهم، لا كرامة لهم تحت سقف مذلة الحاجة والملابس المرقعة التي لا تعمي من برد ولا من حر، لا تستر ولا تعري، العيب هو أن تكون القتيل وتشهد لصالح قاتلك بل وتحلف ببراءته، من المؤسف أن نرى مغربيًا يدافع عن فرنسا أكثر من الفرنسيين أنفسهم، وهنا يكمن الاستعمار الحقيقي، أن تستعمر العقول فلا تجد لها منطقًا ولا نورًا يرشدها إلى الطريق الصحيح.

ولو أمطرت السماء حرية لرأيت العبيد يحملون المظلات، فلعلنا يومًا نستقل من جهلنا ومخاوفنا أو نموت على الأقل ونحن نحاول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات