البعض سيندهش من عنوان المقال:

هل من الممكن أن تتساوى النظرات التي لا معنى لها بالبارود؟ هل من الممكن أن يرتقي البعض مُرتقى سفاح مسجد نيوزيلندا الإرهابي الذي قتل المُصلين بدمٍ بارد؟

قبل البدء يجب أن نعي معنى التطرف.

التطرف لا يمكن تحديد تعريفٍ واحدٍ وثابتٍ له؛ لأنه نسبيٌّ، يختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى، بغض النظر عن اشتراك مجتمعات وثقافات كثيرة في بعض تعريفاته، حتى إنه يختلف من زمنٍ لآخر، حيثُ بالأمس البعيد، كانت تجارة الرقيق نظامًا اقتصاديًّا يدر الكثير من الأموال، حتى إن بعض الدول قديمًا كان اقتصادها قائمًا على تجارة العبيد؛ فقامت على أكتاف العبيد الكثير من المعابد والأبنية، فشيدوا بسواعدهم الحضارات والتحف المعمارية؛ التي نتغزل بها حتى اليوم، والآن تجارة الرقيق تعد تطرفًا، وتفرض الأمم المتحدة عقوباتٍ على الدول والجماعات التي تَثبُت عليها هذه التهم الشنيعة.

لكن التطرف اصطلاحًا ولغةً هو تجاوز حد الاعتدال، والحُكم في ذلك التجاوز يخضع لطبيعة المجتمعات التي نتفاعل معها.

وتجاوز حد الاعتدال يكون؛ إما بالإفراط أو بالتفريط، وقياسًا على ذلك الكثير من الأمثلة، فعند تبنّي الأفكار والمعتقدات ليس معنى ذلك قتل كل من يعارضها، هنا يكون تجاوز الاعتدال، فيكون التطرف في تبني الأفكار والمعتقدات…إلخ من الأمثلة الحية على ذلك مثل مصطلح (التطرف الإسلامي).

وبرغم مساعي الغرب الشرِسة في الترويج لمصطلح التطرف الإسلامي من خلال الإعلام وجماعات الضغط الصهيونية (the Islamophobia industry)؛ فإن ديننا الحنيف قد جاء منذ قرون ليهدم تطرف أجدادهم وعُريهم الأخلاقي؛ الذي كان في الشرق والغرب وفي جهات الدنيا الأربع، ومن المعهود أن الجديد هو الذي يهدم القديم، لكن الإسلام وقبل 1400 عام، قد أتى وهدم جديدهم؛ وهو الترويج لمصطلح التطرف الإسلامي الذي ما تركوا مناسبةً أو محفلًا دوليًّا إلا وبصقوا سُمهم الخبيث في وجه آلاتِهم الإعلامية.

وبرغم كل هذه المساعي فإنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية المُطهرة؛ إذ حثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عدم الغلو في الدين وفي أي شيء، وأن تكون الوسطية لنا مُرشدًا في حياتنا كلها.

فقد روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه في سننهما، والحاكم في مستدركه عن ابن عبّاس، رضي الله عنهما، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك مَن قبلكم بالغلو في الدين».

ولقد حذرنا اللهُ في نورنا ومُرشدِنا القرآن الكريم من الغلو، وضرب لنا مثلًا بأهل الكتاب:

«قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواءِ السّبيل» المائدة:77

وروى أبو يعلي في مسنده عن أنس بن مالك، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم، فيُشدّد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهْبانِيّةً ابتدعُوها ما كتَبْناها عليهِمْ».

وفي القرآن والأحاديث النبوية الشريفة نجد الأمثلة كثيرة فلا يتسع مقالٌ واحدٌ لسردها؛ فقد قاوم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في محاربة الغلو والتشدد في الدين والدنيا، وقاوم أيضًا الانحلال والتسيب والتنطع؛ فهو أيضًا تطرف «الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة».

فهذا كله هو لُب حديثنا؛ أن التطرف لا يقتصر فقط على القتل وسفك الدماء، كما هو معهود، فهناك أيضًا أشكال أخرى للتطرف، فهل من الممكن أن تصبح نظراتنا مُتطرفة؟ نعم بلا شك، ولكن النظرة هنا نظرة الإنسان إلى مَا هو عليه؛ فالبعض يرى أن شخصًا ما – لن أبالِغ في وصفي- لا أقول ملاكًا ولا أقول نبيًّا، ولكن ولي بينه وبين الله سر هذه الدنيا؛ فيبدأوا في مُعاملتهِ على هذا النحو، إذا أصاب زادوا في تعظيمه، وإذا أخطأ نصبوا لهُ المشانق، وإن شِئت قُل محاكم التفتيش التي نصبها حكام قشتالة وليون في شبه جزيرة إيبريا للمسلمين لسلخِهم من دينِهم ولُغتِهم، بعدما أجلوا آخر ملوك الأندلس -حاكم غِرناطة- فلماذا قسوة هذه النظرة التي ينظرها أحدُنا إلى الآخر؟ لماذا لا نرى أننا بشر لنا ما لنا وعلينا ما علينا، والأدهى من كل ذلك؛ عندما يجد أحدٌ للفكاهة والمرح سبيلًا، ويخرج عن طور الوقار المعهود، تنهال عليه النظرات والكلِمات، وكأن كل نظرة تقول يا هذا ألمثلك المرح والفرح والضحكات العالية؟ والله ما عهِدناك هكذا، وإن لم ينظر إليه الجُل هكذا؛ ينظر البقية بنظرة تعجُب أنه يمرح ويفرح والله ماعهدناه مثلنا.

والآن أليست هذه النظرات وهذه الكلِمات نوعًا من أنواع التطرف والغلو؛ تجعل البعض لا راحة لهُ في هذه الدنيا؟ أليس كل هذا حجرًا على حُريتهِ؟ أليس من التطرف أن يفرض الإنسان منّا حياةً ما على الآخر، ويجعله يلتزم بها وفق نظرته إلى الآخرين والقوالب التي أسكنهم فيها، وجعل مِن تعدِيها جريمةً، هل من العقل أن يعتزل الناس بعضهم بعضًا؛ ليتقوا نظرات بعضهم إلى بعض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد