مصر بعد الثورة

كنت -وما زلت- مدافعًا عن أن الثورة لم تنته حتى وقتنا هذا، ولكنها تمر بمرحلة تغيير بشكل أو بآخر ونحن لا ندركه ولا نفهمه، على عكس كل من كافحنا في الثورة ضد فكرهم، وكونهم يضطهدون الأحلام والأمل ويسعون في الأرض فسادًا، كل هذا الحديث اعتدنا على قراءته، ولكن ما أريد أن أطرحه الآن هو أمر مختلف تمامًا.

في 2011، انطلق كثير من الشباب في كل مكان تقريبًا في مصر يحاولون أن يخلقوا المبادرات والمجموعات التي تسعى إلى الإصلاح، ليس فقط الإصلاح السياسي، ولكن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي أيضًا. خرج الجميع من منطلق انتزاع حق الوطن الذي نعيش فيه. وكان الأمر جميلاً جليلاً في كل شيء. لم يكن هناك مصري واحد لم يشعر بقوتنا وبشعور الانتماء القوي لهذه الأرض. كان يتخللنا شعور الامتلاك والتسلط، أذكر أني كنت أشعر أننا لا نقهر في تلك الأيام، بالمعني الحرفي المقصود بأننا لا نقهر.

كنت أفكر في أن هؤلاء الذين يشاهدونا من بعيد ولم يشتركوا معنا، حتى وإن كان بيننا اختلاف في الآراء، ولكننا في النهاية قد وضعنا قاعدة عامة بحق المطالبة سواء لنا أو لهم «وهذا ما استخدمه فيما بعد الجميع». كنت سعيدًا جدًا بانتشار كل تلك المناقشات السياسية والاقتصادية التي تدور في كل ركن في الجامعة وفي الشارع وفي كل مكان تقريبًا. كانت دومًا الجامعة بالنسبة لنا هدفًا قويًا لنشر الوعي الثقافي والسياسي. انتشرت الحركات السياسية بين الطلبة وازدادت مشاركة الطلبة السياسية. وزاد اهتمام الطلبة بانتخابات اتحاد الطلبة، كان ذلك الأمر حتى بداية 2013 رائعًا جدًا.

في تلك الفترة تعرفت على كثير من الشباب الذين لم يلتحقوا بالجامعة بعد، مجرد فتية، كانوا ينتظرونا خارج الجامعة حين نعلن عن خروج مسيرة من هناك، أو يتحايلون على الحرس وينضمون إلينا بين أسوار الجامعة. كنا نمدهم بالكتب والآراء، ونسند لهم الأعمال ونأخذ بأفكارهم، ليس لتشجيعهم فقط، ولكن لأنهم يستحقون ذلك بشدة.

ظننت أنهم سيكونون البذرة التي ستكمل بعدنا أفكار الثورة في الجامعة، وكنت أتابع بعضهم، أين ذهب؟ لأي كلية التحق؟ ماذا يريد أن يحقق؟ ولكن الشيء الذي لم أفهمه بعد دخولهم الجامعة انقلبت معظم مشاعرهم تجاه الأرض إلى احتياج تام إلى الهروب خارج حدود ذلك الوطن. ولم أفهم ما الذي يستطيع أن يغير هؤلاء من أقصى إلى أقصى بهذا الشكل؟!

ليس الشعور البائس السائد في مجتمعنا وحده كافيًا لتدمير شعور الامتلاك القوي الذي انفجر فينا. هناك عوامل أخرى تدعم ذلك الشعور البائس هي في الحقيقة أقوى من الشعور البائس نفسه.

في2011، انفتحت أسوار الجامعات بشدة لكثير من المبادرات والحلقات والنقاشات. في البداية كانت عن السياسة والتاريخ والأدب والسينما والاقتصاد والفلسفة. انتشرت فكرة العمل العام وخدمة المجتمع وارتوى المجتمع المدني في كل نواحيه وكل أنواعه الحقوقية الاجتماعية والاقتصادية والمجال الخدمي والتعليم بالشباب. والكثير، والكثير، وفي أواخر 2012 انتشرت على استحياء بعض الأفكار عما يسمى بـ«ريادة الأعمال». ثم عمت سائر الجامعات في أواخر 2013 بمختلف مشاريعها ومسمياتها وتدريبتها. وانتقل الشباب من ضفة إلى ضفة، وهنا بدأ كل شيء.

انتقلت الثورة من طور الخدمة والتملك إلى طور الاستغلال والأنانية، من طور التفكير في الحل للمجتمع عامة ورفع الوعي الاجتماعي إلى خلق وعي مؤقت لجيل واحد، خلقت تلك المبادرات كوادر حقيقة لقيادة الأقران وتدريبهم وتزويدهم بأشكال مختلفة من التعامل بكياسة والاستعداد لسوق العمل والحوار ..إلخ. وفصلتهم عن كل البيئة التي حولهم وما تحويه من مشاكل.

دعمت تلك الأفكار الأيديولوجية الرأسمالية، ودعمت فكرة الفرد هو محور المجتمع، وأن العمل للصالح الشخصي بالضرورة يخدم الصالح العام، وليس بالضرورة أن نشترك في صياغة مفهوم للصالح العام معًا من خلال مصالحنا الشخصية، دعمت تلك الأفكار كل مساعي المادية التي حاربتها أفكارنا طويلاً طويلاً. دعمت الاستهلاك، صارت العلاقات الإنسانية وبراءتها أمر يسعى إليه الجميع ولا يحققه.

آدم سميث في كتابه عن المشاعر الأخلاقية كان يصف العلاقة الشخصية التي تقوم على المنفعة هي أصح العلاقات الانسانية. وهذا ما تدعمه بقوة كل أفكار مبادرات «ريادة الأعمال» حاليًا في العالم العربي ككل.

انتقلت كل مشاعر الثورة والانتماء بكل قوتها لسخط وغضب تجاه البلد، بسبب عدم توافر المناخ المناسب لتحويل الأفكار المتولدة من تلك النشاطات إلى حقيقة، فتحول شعورهم بالنجاح بذواتهم إلى فشل منقطع النظير؛ ليزداد كرههم لتلك الحدود مجتمعة، ليتحول السعي للتغيير في الواقع إلى السعي بكل قوه للهروب إلى واقع مختلف، لا توفره تلك الحدود الحالية، والتي لا يسعى أحد إلى تغييرها مع كل أسف.

ما نواجهه الآن هو ليس مجرد تفريغ الثورة من أهدافها ومطالبها، بل تفريغ الوطن من جيل كامل، وتفريغ لجيل كامل من كل القيم المجتمعية الجيدة، وتمديد أحلام الشباب إلى الغرب أكثر وأكثر، وتجاهل تام لكل تجارب الشرق في النهضة بتلك القيم نفسها.

في الوقت الذي نواجه فيه كل هذا، تساعد كل أفكار الدولة لدعم ذلك بمنتهى القوة، بتقليل دور الدولة في إدارة السوق وتحجيم دور الجمعيات الأهلية وحدود عملها وترهيب المجتمع المدني من تأدية دوره وتهميشه، وترهيب الشباب من النزول للشارع مرة أخرى، في أقل الأفكار تأثيرًا وتكوينـًا للوعي العام.

ما أدى إلى زيادة انعزال الجامعات والشباب عن ذويهم، وعن الشارع الذي ذاق من دمائنا ما أتم ارتوائه، بل أدى إلى اختلاف معنى العمل العام من الأساس، أغلقنا على أنفسنا جيلنا وركبنا السفينة وحدنا ظنًّا منا أنها سفينة نوح، وتركنا ما دوننا خلفنا غير عابئين بشيء، نتهمهم بالتخلف ونصف أنفسنا بالرقي، نحيدهم عن الفكر ونترك لهم الفعل، ونلقي باللوم عليهم لفشلنا وفشلهم.

علينا أن نستعيد هؤلاء، علينا أن نقدم لهم بديلاً للشعور بذواتهم وتحقيق أهدافهم وأحلامهم داخل تلك الحدود، علينا أن نسعى إلى تغيير ما يجب تغييره لنكون كما يجب أن نكون. ولا ندع أشخاصًا من الحمقى تمكنوا من الجلوس على كراسي السلطة بفضلنا أن يجعلونا نحرق كل أحلامنا أو أن يكون ولو جزء من أحلامنا هو الخروج من ذلك والوطن وكفى.

لا أعلم إن كنت على صواب أو على خطأ، ولكن هذا ما أراه الآن والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد