كثرت التعليقات والآراء المنهالة على صاحبات الروتين اليومي على «يويتوب»، في عدد من المنابر الإعلامية، وعلى لسان فئات وطبقات تختلف اتجاهاتها الفكرية ومواقعها الاجتماعية، لكن من الضروري هنا طرح سؤال جدوى أن ننهال عليهن بالسّباب وأنواع الشتم والقذف، أو بالنصح وطلب الهداية في أحسن الأحوال، فهن يعرفن كامل المعرفة في قرارات أنفسهن، أن ما يقمن به من تصرُّفات أمام الكاميرا وما يقدمنه من محتوى أمر غير لائق وحطٌّ من الكرامة ومجلبة للّعان، لذا فما تحتاجه هؤلاء النسوة الفعل المادي ذو الأثر الملموس بدل القول الهجين الذي لن يغيِّر من سلوكهن ولن يغنيهن من جوع، وإنَّما سيولِّد لديهن الرغبة في المزيد من الفحش والتفاهة كردَّة فعل.

فما هذه الظاهرة سوى تعبير عن الإحباط واليأس وقلة الحيلة الذي يعشنه اليوم هؤلاء النسوة، ولو أمعنَّا في المسوغات وراء ما يقدمنه من محتويات هابطة من أجل زيادة نسب المشاهدة، سنجد أن مردَّها في الغالب لا يخرج عمَّا هو مادي بحت أو نفسي: فهناك من تلجأ لتصوير روتينها من أجل إعالة نفسها وتأمين لقمة عيش لوالديها وإخوتها في ظل غياب رجل يتحمَّل عنها هذه المسؤولية، وهناك من تعيل أبنائها في انتظار ظهور الأب الحاضر/ الغائب، وهناك فئة ثالثة وجدت في نفسها ميولًا للانحراف، وأخريات من شاذَّات الشوارع فعلًا، تسببت أزمة كورونا في بطالتهن خاصة في فترات الحجر الصحي فوجدن في «يوتيوب» وسيلة يقدمن فيها خدماتهن عن بعد على مرأى ومسمَع من الزوج في حالات، وخفية عنه في أخرى.

صحيح أن مسؤولية تأمين حياة كريمة تقع على عاتق الدولة التي من واجبها توفير عيش لائق وحفظ كرامة مواطنيها دون شرط أو قيد، غير أن شطرًا كبيرًا من المسؤولية في موضوعنا تقع أيضًا على عاتق الرجل بصفته المسؤول المباشر عن الأسرة نواة المجتمع.

فضمور صورة الرجل بتخليه عن أدواره الأساسية من قوامة وقيادة ورعاية، جعلت مثل هذه الظواهر وغيرها تستفحل في المجتمع، يغيب الرجل الحاضر فقط شكلًا خارجيًّا ويترك المرأة تجابه الحياة وهي لا تملك أيًّا من تقنيات المواجهة ولا من وسائل الحماية، تتخبَّط عشواء في جميع الاتجاهات من أجل تأمين لقمة عيش لأبنائها ومن هم تحت رعايتها حتَّى يستمرُّوا في الحياة.

ولأصحاب التعليقات المُعنِّفة لفيديوهات الروتين اليومي من الرجال! لا أفهم لماذا ينقر رجل سويٌّ لمشاهدة فيديو كتبت صاحبته في وصفه عنوانا مثل: تعالي لتتعلَّمي كيف ترتِّبين صالونك بأقل مجهود، أو كتبت عليه عنوان ادخلي لتتعلَّمي طريقة غسل السجاد، ألم تلاحظ ياء المخاطبة؟! هي استعملت ابتداء ياء التأنيث للمخاطب الأنثى، فهل وجدت نفسك من المعنيات بالخطاب حتَّى تدخل لتتعلَّم كيفية غسل السجاد وبعد أن تتصلَّب أمام الفيديو حتَّى نهايته تتأفف وتلعن صاحبته؟

وليس من المروءة القول بالوقوع في فخِّ الصورة، لأن المحترم الحصور من تقع عينه على السجادة أولًا لا على تلك التي بجانبها.

فعوضًا عن قذف الكلام السَّمج يمنة ويسارًا يجب المبادرة بالفعل من خلال تقديم مساعدات مادية حقيقية متمثلة في تقديم إعانات شهرية أو عمل قار يقيهن السؤال وإراقة ماء الوجه، وتقديم مساعدات نفسية لمن تحتاجها، كما يجب إرسال لجان خاصة لإجراء خبرات على هذه النوعية من الرجال ومعاينات مخبرية لنوعية أفيون الاستكانة والخنوع هذا الذي يتعاطونه، على أن يسرع العلماء ما أن ينتهوا من إيجاد لقاح نهائي لفيروس كورونا، البدء في البحث عن لقاح يعيد للرجل صحوته ويبعثه للوقوف على دوره من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد