بعض الجراح لا تقتلك مرة واحدة. لاترديك قتيلًا في اللحظة التي توغل فيها الخنجر بداخلك. تحسه يتوغل فيك رويدًا رويدًا كي يطيح بدفاعاتك الداخلية لكنك لازلت واقفًا. لازلت تبتسم ظنًا منك أنك أكبر من أن تسقط وأنت الذي لطالما تلقى الخيبات تباعًا. وأنت الذي تجرعت العلقم حبًا والسم وفاء لأمل كاذب سقط عنه القناع مع أول مفترق طريق. بعض الخيبات لا تقتل، لكنها تشل جزءًا منك، ولربما أهم جزء: تشل المشاعر والثقة. تولد شعورًا غريبًا بالاستغناء، توقن معه أن لا أخ ولا صديق سيتلقفك إن أنت سقطت من أعلى جبال الهموم رغبة منك في التخلص من كل شيء. حتى نفسك يومًا أردت التخلي عنها كي ترتاح. كي تصبح خفيفًا كالريشة، وتطير بعيدًا عن هنا، وتحلق لعالم آخر؛ حيث لا توقعات ولا تكهنات، فقط حرية، لطالما تساءلت عن الحرية، ومن أين تبدأ وكيف تنتهي، لما وضع كل مجتمع لها تعاريف وحدود مرتبطة بالثقافة.

إن المصطلح بصفة عامة مرتبط بلا محدودية المكان، بالفضاء الرحب القادر على استيعاب كل شيء وكل الأشخاص، لكنه لفرط ما استعمل في إطار فضفاض أضحى مموهًا لا يحمل أية ملامح ولا معاني.

إن المجتمع المغربي أو العربي عامة بعد الربيع العربي عرف العديد من التغيرات لم تكن بالجذرية، لكن من الجدير التحدث عن أهميتها؛ لأنها قدمت للشارع مصطلحات لم يألفها، لكنه أصبح يوظفها في جميع الخطابات والأحاديث اليومية أصبحت تكسوها المفاهيم التي اعتبرت ثورية لارتباطها بشعارات الثورات في مختلف البلدان كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وغيرها. مصطلحات أصبحت «الترند» الأول في الاجتماعات المصغرة التي تعقد في المقاهي كي يهلل البعض لضرورة التغيير والتحرر، مهلًا.. تغيير ماذا أولًا؟ والتحرر من ماذا؟ من اللازم أن نعرف نوعية الأغلال التي تقيدنا أولًا كي نعرف التحرر منها.

كي نعرف كلمة السر التي ستفتح القفل الذي أحكم على تفكيرنا كي نصبح نسخًا متشابهة تتذمر، تشتكي، توظف أي مصطلح كي تندد وتشجب كبان كيمون، ولا تفعل في الأخير أي شيء. كي تذهب ليلًا للنوم بدون حتى التفكر في أحداث اليوم لأجل فهم ما سيحدث في الغد، كي تنام، أنت نفس الشخص الذي كشف المؤامرات، وشاهد بعدها فيديو فضيحة لقنوات تتغدى بأعراض الناس كي نشهر بأشخاص تم القبض عليهم بفعل فاضح في الشارع العام. كي نشاهد صورًا لفتاة تغتصب وتعذب دون أن يسبب لنا الأمر صدمة.

إن مشاهدة ونشر المقاطع المسجلة لأشخاص يتم تعديبهم والتنكيل بهم وبكرامتهم من طرف آخرين غير آدميين ولا يمتلكون أي ذرة من الإنسانية يجب أن تضحي جريمة ذات عقاب قاس حتى يرتدع الناس عن تغذية الأنفس المريضة التواقة لمعاناة الآخرين، ما الفائدة من مشاهدة شخص يحترق؟ شخص يغتصب ويصرخ؟ طفل يعاني؟ امرأة مستضعفة؟ ثم السؤال الأهم ما طينة هذا الشخص الذي أمسك بهاتفه وصور كل شيء دون أن يرجف له جفن، ودون أن تدمع له عين؟ ما النوعية القادرة على سماع أصوات الاستغاثة، ولا تجيب؟

إن الحرية التي جاءت بها مواقع التواصل الاجتماعي قلبت الموازين رأسًا على عقب وغيرت العديد من السلوكيات ليصبح للجميع صوت بعد أن كانوا بكمًا في بيوتهم وبين أهلهم والمجتمع الذين يعيشون فيه، كانت المخرج الأول والوحيد الذي خلق لهم منصة كي يفتحوا صدورهم لهذا العالم وينغمسوا فيه، لكنها خلقت أيضًا وهمًا، وهم أن تكون مهمًا، سعيدًا، مترفًا، وحتى وهم أن تكون عميقًا. وأقصد بالعمق المروج له هنا هو كؤوس قهوة «المثقفين» الجدد وانتقاد كل شيء، كل ما هو متحرك وكل ما هو راكد، ليصبح الجميع سباحين محترفين يكتبون عن السباحة مع الدلافين والقرش، بالرغم من أنهم لم يطأوا يومًا بحرًا. وكل تمردهم وثوراتهم ليست إلا وهمًا على صفحة قرأها قطيع بلا راع فانساقوا يهللون له ولثورتهم الوهمية التي تنتهي ما إن قررت أمه قطع الإنترنت ليضحي بطلًا على ورق، فارسًا بلا فرس، مقاتلًا بلا درع ولا سيف. بحار بلا مركب، ربان بلا طائرة يحكي عن المطبات والعواصف التي مر بها كي يصل إلى مطار النجاح وهو لم يبرح كرسيه، بل حتى لم يستطع أن يواجه الحياة الواقعية، أن يواجه حروبه الواقعية اليومية كي ينتصر عليها ويخطو خطوة إلى الأمام عوض أن يبني عالمًا موازيًا ينساق فيه البعض لأمراض نفسية لا أول لها ولا آخر، لنجد أنه مكان تقريب الناس من بعضهم، تم إبعادهم حتى عن ذواتهم، وليس هنالك أصعب من غربة الذات، أن تكون منفيًا عنك، مهاجرًا منك إلى دنيا السراب بحثًا عن أوهام.

لقد خلقت هاته الحرية مكانًا خلاقًا للبعض كي يبدعوا ويسافروا لأرواحهم، لكنها غربت الكثيرين، وجعلت الغالبية لا تؤمن إلا بالمظاهر وتنساق مع الأكاذيب المروج لها من أجل تغييب الرأي العام وجعل التفكير المتداول تفكيرًا مبتذلًا تافهًا لا أساس له من الصحة، فقط إشاعات وفضائح وفن منحط يحتقر تفكير المتلقي ويعتبره جهاز تلق فقط، لقد خلقت مواقع التواصل الاجتماعي القدوات الخطأ. لنصبح مجتمعًا يرفع قدر المغتصبين والسكارى وأصحاب البطون الملآى بأموال وطن أستنزف حتى غدونا نخاف دفع ثمن الهواء كي نعيش تحت سقفه. أكبر الخيبات لا تأتيك من قريب أو حبيب، بل تأتيك من الوطن، الوطن الذي رسمته بالألوان، لكنه رسم مستقبلك بالأبيض والأسود كي تتلظى بين نارين. وطن الغربة أو غربة الوطن، وهنا قد يمنحك الوطن بصيص حرية؛ لنصبح بين الجنة والنار. ماذا تفضل، حرية الاختيار أم اختيار الحرية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد