لا يجد المتتبع لتاريخ الفكر الإنساني صعوبة البتة في أن يسجل أن الفلاسفة بعد تفلسفهم، والعلميين بعد إجراء التجارب في مختبراتهم يتجهون اتجاهًا متوازيًا نحو التحول لخدمة الإنسانية، ويكاد ختام حياتهم جميعًا أن يشهد إسهامات حقيقية في الحقل الاجتماعي، وإن جانب البعض منها الصواب.

والمثال القريب الذي يؤيد الرأي فيما يتعلق بالفلسفة نجده عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وفيما يتعلق بالعلم نلمسه عند عالم الطبيعة والكيمياء الأيرلندي الأصل والمعاصر أيضا جون ديزموند برنول John Desmond Bernal.

وكمعظم الفلاسفة بدأ سارتر حياته بتأملاته الميتافيزيقية في محاولة لإعطاء وصف شامل كامل للعالم في أعم عمومياته، وككثيرين من الفلاسفة كتب أفكاره بلغة غامضة تتميز بتكرار ما سبق أن قاله، حتى إن إحدى شراحه ميري وورنوك Mary Warnock وصفت كتاباته بأنها مشكلة. والذي يتضح من معظم هذه الكتابات أن سارتر أجهد نفسه كثيرًا في أن ينقل إلى أفهام قرائه دعواه المحددة عن الحرية الإنسانية، تلك الدعوى الشديدة الاتصال بالجانب العملي من حياتنا المتصل بالسلوك، وكيف ينبغي أن يكون هذا السلوك. ومن لواحق هذه الفكرة أن الكائنات الإنسانية التي تنفرد من بين سائر الكائنات بصفة الحرية أمامها، حسب زعمه، مجال واسع هائل الاتساع لحرية الاختيار.

وهي ليست حرة فقط في أن تختار السلوك الذي تفضله؛ بل إنها تستشعر اختيارها ويكون لها الوجود الذي تختاره مهما كانت ماهية هذا الوجود.

وبعد دفاع مستميت بكل الحجج المنطقية عن اعتقاده التام في مفهوم الحرية، أصيب سارتر بخيبة أمل كبيرة عندما أدركه آخر الأمر تشاؤم كلي نتيجة لتحققه من أن الفرد من حيث هو كذلك أعجز من أن يحدد لنفسه السلوك الذي يختاره، أو بمعنى أدق السلوك الحر الذي يعنيه سارتر في ذهنه. والواقع أن فكرة الحرية التي دعا إليها في وجوديته لا يمكن أن يعتنقها إلا مخبول أو خارج على القانون وعلى أنظمة المجتمع ومؤسساته.

والغريب في الأمر أن سارتر عدل عن الوجودية، وتحول من الفلسفة إلى علم الاجتماع، لوا تزال أفكاره عن الحرية المطلقة وتحقيق وجود الذات تجد من يهواها من بين الشباب؛ طمعًا في توكيد الشخصية. وبذلك أصبح هؤلاء وجوديين أكثر تعصبًا من صاحب نظرية الوجودية نفسه.

وذهب سارتر يبحث الآن في تعديل وجوديته القائمة على الحرية الفردية المطلقة، وذلك بالتنقيب عن أفضل الأساليب لكي يعيش الفرد حياته الطبيعية داخل الجماعات والزمر الإنسانية. كما اقتفى سارتر أثر ديكارت بانطلاقه من ركيزتين، الأولى: الإيمان بحرية الإنسان. والثانية: الإيمان بقدرة الإنسان على تحليل نفسه. ولعل سارتر رأى في الكوجيتو معنى آخر زال بمجرد إدراك قائله أنه يفكر.

أدرك سارتر أن مجرد قول إنسان: أنا أفكر إذن أنا موجود، ينطوي في الحال على إدراكه لحقيقة نفسه وليس حقيقة نفسه، فهو قادر منطقيًّا على تحليلها. وما حدث لسارتر من تحول من الفلسفة إلى علم الاجتماع باتباع أساليب علماء الاجتماع وطرائقهم دون إجادتها وقع لكثير من الفلاسفة منذ أفلاطون وأرسطو حتى برتراند راسل.

وإذا فحصنا أعمال العلميين الذين اتخذنا نموذجًا لهم عالم الطبيعة والكيمياء الأيرلندي الأصل برنول، نجد أن برنول لم يقف عند حدود المختبر؛ بل كان كثير البحث في الواقع، وشديد الارتباط به. وقد تناقش مع زملائه العلميين في الثلاثينات مدة عشر سنوات فيما يمكن أن تقدمه العلوم الطبيعية والكيميائية لخدمة البشرية، وذلك قبل أن يخرج كتابه الكلاسيكي الذي يعرفه العلميون ومتخصصو العلوم الإنسانية على السواء وهو: الـوظـيفة الاجتماعية للعلم.

وبإجماع العلميين برنول رائد في تسخير العلم لحاجيات المجتمع، وإذا تعمقنا  في تحليل نفس هذا العالم وجدناه ذا أيديولوجية أخلاقية رفيعة توجهه نحو الخير، ولا تجعله محصورًا في مختبراته ونظرياته وبحوثه العلمية دون تطبيقها تطبيقًا علميًّا، هذه الأيديولوجية الأخلاقية من الممكن أن يستدل عليها منذ فكّر في الاشتراكية أثناء شبابه.

يستخلص من هذا كله أن العبء الواقع على العلميين في الدول النامية التي لم تصنع التصنيع الكافي حتى الآن في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية عبء ضخم، ويجب أن ينظر العلماء والمهندسون وكل المشتغلين بالمشاريع إلى العلم والتكنولوجيا على أنهما المفتاح إلى الثروة، وإلى تحسين مستوى المعيشة الإنسانية. والثروة لا تترك بلا تنظيم. فمنها جزء محدود جدًّا للملكية الخاصة، وجزء كبير لرصيد الأمة، وأجزاء للملكية العامة وحفظ سلامة المجتمع من التفكك والانحلال، وخير تنظيم يراه برنول لتحديد نسبة الثروة اللازمة لهذه الأجزاء نجده في الاشتراكية ولا شيء سواها.

أخيرًا يرى برنول أن الواجب الأول لعلماء الدول النامية ألا يجلسوا إلى المكاتب؛ بل عليهم البحث والتنقيب عن الثروات الظاهرة والباطنة في أرض بلادهم. وعلى البيولوجيين منهم وقاية الزراعة من الأمراض ورعاية صحة المواطنين. وهو يحث الجيولوجيين والجغرافيين على العمل على كشف هذه الثروات، ويضرب المثل بالصحاري الشاسعة التي كان يظن إلى عهد قريب أنها جرداء غير ذات قيمة اقتصاديًّا، وهي الآن تعطي أحواضًا جيولوجية طبيعية ضخمة لا تحتوي فقط على البترول؛ بل وأيضًا على الحديد وكميات هائلة من المياه الجوفية.

كلها بالكد والعمل تحقق الرخاء للإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد