على شاطئ جزيرة سانتوريني جرى رجل الهوينى وصرخ يا هيرا الحقيني. هيرا هي الهة الزواج عند الإغريق، «إن كنت مهتمًا لعرفت وحدك» هكذا همست هيرا من إحدى الأواني النحساية في متحف في أثينا ونظرت نظيرتها إليك من القطعة الأثرية المزخرفة برونق وبهاء تعاتبك أنك أيها القارى التعيس لم يحدث لك عظيم الشرف بالتعرف على رمز الحب والوفاء.

دعك من هيرا الآن، مسكين هذا الرجل الغلبان الذي يجري الهوينى على شاطئ سانتوريني أتدري لماذا؟ يضرب الرجال كفًا بكف مصرحين أن النساء لا يُفهم مرادهن أبدًا وأنهن بالرغم من كل الدلال والبهاء يصبنهم بحيرة شديدة وارتباك عظيم حين يجد المرء نفسه بين ليلة وضحاها من عاشق شريد لصديق عزيز في إحدى خانات «الفريند زون» مثلًا.

لكنها حجة فارغة بكل تأكيد. أقسم لك أن النساء مخلوقات وديعة، شديدة الرقة يملن لمن يفطن تدليلهن، ويحسن معاشرتهن، ويرفع من قدرهن ويصادق أرواحهن!

«كاللبلابة التي تلتف على شجرة العنب، هو العشق» ابن عربي.

لأن الرجال لا تؤمن بنظرية تلاقي الأرواح وحنين الأنصاف واكتمال نصفيّ البرتقالة يدعون دراماتيكية النساء وخلقهن للسيناريوهات التافهة في سبيل العراك والخلاف. من يسعد في البعد وضياع الود؟

لا أحد، لم ترغب امراة قط في البعد عن حبيبها ولا يطيق الحبيب إن صدق وده الفراق ولا سيرة الطلاق! لكنها النزعة النرجسية في النفس البشرية التي هدمت بيوتًا وأقامت أخرى، ودمرت حضارات وأشادت بأخرى!

حتى الرجل الذي يجري الهوينى على شاطئ جزيرة سانتوريني ويصرخ يا هيرا الحقيني يوافقني الرأي، ها هو هناك يشير مؤيدًا لاستكمال السرد، على أية حال، لا يتيهك ذلك عن مقصد القول.

هي بانتظار فارس الأحلام، وأنت تنازلت عن رغبتك اللحوحة في الزواج من آنا هاثواي وعدلت أخيرًا عن الرضا بمن تشبهها. ثم عزمت في دخيلة نفسك أن الحب حين جاء أطار بأفكارك البلهاء واستقر في قلبك وعماك عمن سوى تلك الفتاة الحسناء جوارك، تلك التي ملكت روحك وجلست على عرش فؤادك وألبابك واستولت على جيب جلبابك! بصدر رحب تقول تستحق ملايين الدنيا ولن تكفيها، تستحق الدنيا وما فيها!

«ما في الوجود إلا محب ومحبوب» ابن عربي

يا جمال اللحظات الأولى، القلوب الخائفة والعيون الضاحكة، الابتسامات الوجلة، السحب الغناءة والموسيقى الهادئة وتغريدة عصفوري الغرام الواعدة والأهم من ذلك كله نظرات الناس المرتابة.

في البداية نقول هل بإمكاننا النجاة من الحب، ثم يسحبنا تلافيف الهوى ويداعبنا موجه هنيهة هنيهة ونتساءل هل بإمكاننا الغرق أكثر فأكثر حتى تلاحم الأرواح حتى انسجام النفوس حتى تطابق الصفات وتخاطر الأفكار حتى انهزام النفس للنفس وانتصار الحب وحده ونعول عليه؟

يقول ابن العربي: «إن الحب موت صغير».

ليست تراجيدية ولا تهويلية، حقًا إن الحب كالموت إما يحييك حياة نعيم أبدية في رحاب المدينة الأفلاطونية الفاضلة التي لا ترتضي بغير المحبة سيدًا وحكمًا، وإما يعذبك ويسقمك كمطران وجبران ومي زيادة وغسان كنفاني والعقاد كلهم لم ينجوا من الحب الحزين الحب الذي لا تظفر فيه أبدًا، لا فرار من الحب فإنه ملاقيكم في جميع الأحوال. العندليب عبد الحليم صدق كذلك على مقولة ابن العربي حين ملأ الراديو بصوته العذب: «تاني تاني تاني راجعين للحيرة تاني. راجعين انا وانت تاني للنار لعذاب من تاني من تاني».

لكن حقيقة دعك من الفلسفة المصطنعة والأقاويل المتملقة. الحب كالبطيخة، أي والله خذ مني، إما «طعمة» وإما «قرعة». خلاصة القول وليسامحنا الأدب الرفيع ويتغاضى عنا الناقدين ويتفقوا معنا في إقرار وقائع وحقائق لم يعد هناك داعٍ لذكرها، لأنها بديهيات الحياة، ما معنى الجلوس أعلى جبال الهيمالايا نكتب تنظيرًا وتحليلًا لن يلقي العامة له بالًا ولن يشغل أحدًا.

جلس رجل خمسيني على القهوة يسحب دخانًا عميقًا ورشفة كبيرة من الشاي وتمعض حين قرأ ذلك السطر اللطيف الذي أخبرتك فيه بأريحية عن وداعة النساء وتخيل زوجته التي تنفث النيران وصراخها يسمع الحيطان في أحاديثها العادية وطلباتها اللامتناهية المديدة، وأوامرها العديدة التي قد يهتز الاتزان الكوني إذا لم تُلبى في حال تباغتها لمحة عن هذه الفكرة، أو تلك الخطوة، أو ذاك المتاع! وعليه أن يعرف وحده ما يدور في عقلها إذا كان مهتمًا وإلا اتهمته بالإهمال أو الخيانة.

وأصدر ضحكة ساخرة مخيفة وسأكتفي بقول ضحكة وأترك لعزيزي القارئ عنان خياله.

ذلك الرجل بالطبع في صغره جرى الهوينى على شاطئ سانتوريني وصرخ يا هيرا الحقيني لأننا جميعًا مررنا بتلك المرحلة التي تستدعي الاستغاثات: حين دق القلب معلنًا حيرة الحب وسيرة الحب، وفي خلافات الخطبة وتجهيزات الشقة، في اختيار مدارس الأطفال، وفي تلك القاضية التي تقسم ظهر البعير ولا يعود الوضع بعدها على حاله أبدًا. تلك الكارثة التي يمكن الإشارة إليها في كلمة واحدة تلخصها زيزي السكرتيرة!  ولا تسألني لماذا جميعهم زيزي!

تدريجيًا ينسحب الرجل وينصرف للقهوة فهو على حد زعمه مكان نقي نظيف يخلو من النساء! حتى لم يعد بمقدوره الجري ولا مناشدة هيرا لإنقاذ زواجه أو حتى لعنها. فاكتفى بكونه ديكورًا لا ينطق لتمر الحياة كما هي أو ينتهي ذلك الكابوس.  كما قال الرجل الحكيم الذي لا أعرف اسمه: «اللي ايده في المية غير اللي ايده في النار».

و لم آتي بعد بجديد يبرر جري الرجل الهاويني على شاطئ سانتوريني، لكن مهلًا هناك المزيد قد يفيد.

بداية دعكم من العنصرية والتحيز النسوي أو الذكوري، لسنا في محكمة الأسرة ولا أنا بقاضية، خذ عندك:  ماذا تقول عن مراهق أحب معلمته التي بضعف عمره؟ مختل الهرمونات أم ناضج مضحي رأى تجاعيد وجه حبيبته وارتمى في أحضان الحكمة وعقد قرانها؟ تظن السؤال فخًا أليس كذلك؟ قال الرجل الخمسيني الذي يشرب شايًا ويزفر دخانًا: «نحن لا نعف عن زوجاتنا إذا شبن قبلنا» وشكرًا لله على تدخله،  لأن الرجل ضحك ضحكته الساخرة بعد أن فهم ما ألمح إليه، فماكرون تزوج من معلمته التي تكبره بما يزيد عن العشرين عامًا وكان واقعًا في غرامها مسحورًا، لربما ظن الناس به الظنون ولربما امتعض الكثيرون لكنه صار رئيسًا لفرنسا! رأى تجاعيد الحكمة وارتمى في أحضان النضج!

جميعنا ندرك سعي أغلب رجال الكوكب وراء العلاقات الجمالية الجسدية اليافعة فحسب. و لذلك هناك دائمًا الطرح التقليدي التي يستوجب إجابة صريحة يحتال الجميع فيها. النساء الذكيات أم الجميلات؟ جمال الروح أم جمال الشكل؟  و الإجابة المعتادة الروح تطغي على القسمات فلا ترى دميمًا إلا فاتنًا جميلًا. والإجابة الصادقة الصريحة العنصرية للغاية ولابد منها: الجميل يبقى جميلًا والدميم دميمًا!

وإذا سألتني عن رأيي الشخصي قلت إنها القلوب يقلبها الله كيف يشاء! نظر إليّ رجل في مطلع الثلاثينات في تحسر: «أصفق لك على افتعال دور الضحية وترديد الشعارات النسوية على أساس أننا جميعًا أوباش وأنتن محررات العالم من وعول ناهشة لا تُروض». اتمزح أيها الشاب هل هذا رأيك حقًا؟ لديك فرصة لتصحيح ما قلته للتو، لا يعجبي حديثك بتلك النبرة التهكمية. ثم أدركت فعلًا أنه معه حق! وأن الحركات النسوية القائمة أساسًا على إنصاف المرأة وحمايتهن من التعسف والعنف تلاقي تهليلًا من نسوة غليظات القلوب فشلن في حياتهن الأسرية ويدعمن تفكيك المجتمع في صراع استحواذي. من يقود السفينة، لمن الكلمة العليا وفصل الأمور، بلوك بلوك بلوك. والحياة لا تصح ولا تقوم بمثل هذه الافتراضات.

افتح ذهنك ولا تتحيز لجنسك. مستحيل  أليس كذلك؟ من الطبيعي أن نصطف في أدورانا الحقيقية ولو لم نرد ذلك. إنها فطرة. عقل الذكر سيظل بأفكاره ولو دافع عن المرأة باستماتة وعواطف المرأة جياشة ولو امتثلت البرود والثلجية. ثمة افتراضية تقول أننا لا نستطيع المنطق ولا العدل وحسن الحكم على الأشياء في مواضعها. بالطبع سمعت عن تلك الموجة التي قلبت برامج التوك شو منذ عدة سنوات. سمعت عن آخر الصيحات العنصرية؟ تلك الافتراضية التي صاغها بني بجم قال بكل حماقة وصفاقة أن مكان النساء الوحيد الكفيل بهن هو المطبخ! ياللاستخفاف! إن تقلبات مزاجنا غير مفهومة أحيانًا لكن عقلياتنا تؤهلنا القيام بكل شيء.

و هنا تدخلت الكاتبة أجاثا كريستي جاء صوتها بعيدًا جدًا من العالم الآخر قائلة أن المطبخ الذي تتحدث عنه هو الذي جعل منها أشهر وأنجح كاتبة لقصص الغموض والجريمة. معللة: «حبكات رواياتي البوليسية أهتدي إليها وأنا أغسل الصحون ، لأن هذا العمل الغبي يدفعك بشكل لا إرادي للتفكير في القتل».

لا تتجاهل أن «من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار».

القوامة ليست بالعنف والزجر، لقد خلقت النساء حرائر، لكن كثير منهن ارتضت المذلة. وأصل الرجل الحماية والسند والأمان وليس سجانًا يأمر وينهي! أعلم أن ذلك كله بديهيات وأن الدنيا وردية ومستتبة وهذا كله تضخيم لسفائف ونماذج نادرة! أخبرتك يا عزيزي القارئ المثقف النبيل أنني لن آتي بجديد. لدي سؤال أخير رشيد لماذا تقوم كربلائيليات يومية في تلك البناية؟ تلك المشاحنات التي لا تكف حتى في نهارات رمضان لو كنت أصمًا لسمعت لصراخهم أصداء وأصوات حين يتناقشان أو دعنا نقول يتشاجران ورضيعهما تمزقت حنجرته من الخوف والبكاء! هذا الطفل المحروم من حياة متوازنة حيث والدان سويان سليما الفكر. كيف تنبت بذرة في تربة متهالكة؟

في مذهب بني بجم كلما ارتفع صوتك واحتد كلامك وقطبت وجهك وطالت يدك كسبت جدالك! في مذهب بني بجم يحب المرء زوجه وينهال عليها ضربًا وسبًا ولومًا! هنا يتحدى المثل الفلسطيني اللطيف بلؤم: «لو كان الزلام بشواربهم لكان الصرصور أزلمهم»، إنها افتراضيات بني بجم التي تلاحقنا أينما سرنا، كلما خطونا.

تنفس الصعداء أيها الرجل الذي يجري الهوينى على شاطئ جزيرة سانتوريني ولا تصرخ يا هيرا الحقيني.. فقط اختر من تأتمنها على قلبك بحذر، اختر التي تبتسم روحك في قربها!  لأن البشر كالمرايا يعكس الواحد منهم الكثير من وجه صاحبه.

و هنا همست رضوى عاشور بالقول الفصل:» لا يمكن أن يكون الحب أعمى لأنه هو الذي يجعلنا نبصر». فقط اتبع الوهج الذي في قلبك ولا تهاوده، وابصر حتى يأتيك اليقين ولا تعتب على الحب عواصف الدهر.

وافقني شمس الدين التبريزي وأضاف منهيًا المقال حتى وإن «غادرك محبوبك؟ لم يغادرك الحبّ! أنت اخترت أن تقلّل قدر الحبّ وتحصره في شخص».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد