إن السلطة ليست السيادة ولا القانون ولا المصلحة ولا الإرادة والقصد. ولا تشتغل السلطة في إطار القانون والسيادة، بل السلطة تشتغل في إطار حقل علاقات القوة أي في إطار الصراع والاستراتيجي. هناك تتواجه السلطة والمقاومة. والمقاومة هنا ليست من باب القانون أو ما يسمى بحق المقاومة بل من باب القوة الواجبة في حقل علاقات القوة لردع السلطة أن تحتكر ذلك الحقل.

إن الإخضاع والسيطرة ليست خاصية السلطة في المجتمعات الاستبدادية فحسب، بل هي كذلك في كل مجتمع بما في ذلك المجتمع الديمقراطي. ذلك أن الإخضاع خاصية ملازمة للسلطة مهما كان شكلها ومجالها وعصرها. لذلك تمثل المقاومة قوة مضادة ضرورية في حقل علاقات القوة تحفظ التوازن بين حاجة السلطة للإخضاع والسيطرة ورغبة المجتمع في الحرية. فحضور المقاومة يمنع التعارض بين الحرية والإخضاع بحيث يخير المجتمع بين هذا أو ذاك فتصبح الحرية مرادفة للفوضى والفناء ويصبح الإخضاع مرادف للنظام والحفاظ على الوجود.

إن توازن المجتمعات يفترض حضور كل من السلطة والمقاومة وألّا تحتكر السلطة المقاومة وتوجهها طبقا لمصالحها القائمة على إخضاع المقاومة، بحيث تصبح المقاومة قوة مضادة شكلية تهدف لتأبيد واقع الإخضاع والسيطرة باسم تحرير المجتمع من الاستبداد، ويصبح المقاومون ثوريين مزيفين ومجرد أدوات ثقافية تبرر من خلالها السلطة المسيطرة على حقل علاقات القوة دوام هيمنتها حفاظا على استمرار وسلامة المجتمع وعلى بقاء النوع البشري. فالمقاومة الحقيقية توجد في الجهة المقابلة للسلطة داخل حقل علاقات القوة باعتبارها قوة مضادة تحفظ التوازن بين الحرية والإخضاع.

إن المقاومة هي القوة التي تعبر عن المجتمع في حقل علاقات القوة الذي تهيمن عليه تاريخيًّا السلطة في تحالف بين كل أشكالها في غياب تاريخي لأية مقاومة فعلية وحقيقية. فحضور المقاومة كقوة معبرة عن إرادة المجتمع في حقل علاقات القوة هو الذي يدفع السلطة في النهاية لقبول مبدأ التوازن بين الحرية والإخضاع والتحقق الفعلي للدولة الديمقراطية التي تتمثل مهمتها في خلق انسجام قائم على التوازن بين الانضباط (الخضوع للسلطة بصفتها القانون) والحرية (الخضوع للسلطة بصفتها مساواة أمام القانون). فالمساواة أمام القانون هي التي تضمن مصالح المجتمع في تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورة والمراقبة المجتمعية الفاعلة لأداء الحكام حتى لا يستبدوا ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بديمومة المقاومة لأن في ديمومة المقاومة حفاظ على التوازن وفي غيابها انعدام له. فحين يعود الثوار لبيوتهم تنفرد السلطة بالفضاء العام وتخضعه وتسيطر عليه عبر أدواتها المختلفة من إعلاميين ومثقفين واقتصاديين وغيرهم حتى لا تترك مجالا لأية إمكانية لعودة المقاومين وبذلك تحكم قبضتها على الكل ويتحقق لها كامل الانضباط والسيطرة ويصبح حقل علاقات القوة حقل صراع السلطة بكل أشكالها على حساب المجتمع.

لكي تتحقق الدولة الديمقراطية باعتبارها مجال سيادة المجتمع من خلال القانون والمساواة لا بد من وجود المقاومة الدائمة التي تمثل أداة الدفاع عن المجتمع أمام إمكان عودة السلطة لافتكاك حقل علاقات القوة والسيطرة عليه بشكل كامل وخلق قوة مضادة وهمية لإيهام المجتمع بتوازن الحرية والسيطرة في حين أن الواقع خاضع تماما للانضباط والسيطرة السلطوية في ظل مقاومة وهمية ليست في النهاية إلا امتدادا طبيعيا للسلطة. إن السلطة عبر أدوات تزييف الواقع والإيهام والتلاعب بالعقول قد تدفع المجتمع للاقتناع بوجود مقاومة حقيقية لنفوذها في حين أنها واقعيّا هي المسيطرة سيطرة تامة على حقل علاقات القوة ومن خلاله على الفضاء العام. إن المجتمع في هذه الحالة مثل من يرى في أحلامه أنه محلق في السماء في حين أنه واقعيًّا مشدود للأرض بمثقال من حجارة.

لقد شهدت تونس والعالم العربي ثورات شعبية استبشر بها الجميع شرقا وغربا ولكن انتهت جميعا إلى فشل ذريع في تحقيق الدولة الديمقراطية وأدت في أغلبها إما لعودة الاستبداد أو لحروب أهلية أو لديمقراطية شكلية وخراب اقتصادي وتفقير للمجتمع. ولعل السبب الرئيس لذلك هو تخلي المجتمعات بسرعة عن المقاومة وكأنه يكفي هروب أو موت أو تخلي الطاغية عن السلطة لتتحقق الأهداف وليعود المقاومون لبيوتهم منتشين بثورة النصر تاركين حقل علاقات القوة مفتوحا أمام السلطة لتعيد لملمة ذاتها والعودة أكثر قوة بوسائل المقاومة ذاتها. لقد تخلى الثوار عن الفضاء العام فاحتلته السلطة بأدواتها القديمة موظفة وسائل جديدة للتلاعب بالعقول ليدك الثوار أنفسهم وبأيديهم كل مقاومة ممكنة للسلطة. لقد أصبحت السلطة هي المقاومة ورفعت شعار الدفاع عن الثورة وتحقيق أهداف الثوار وسحقت كل مقاومة لذلك على أساس أنها ثورة مضادة. فالسلطة (الثورة المضادة الحقيقية) أوهمت المجتمع أن مقاوميها هم الثورة المضادة وعن طريق كل وسائل التلاعب بالعقول دفعت المقاومين إما للانخراط معها والانصهار فيها (بعضهم يعتقد أنه بإمكانه التغيير من الداخل) أو أن يتعرضوا للسحق والسحل الإعلامي والثقافي باعتبارهم أعداء الثورة وأعداء الديمقراطية.

إن السلطة ترتكز في بسط هيمنتها على تفكيك المجتمع إلى أفراد غير مترابطين وتدفع كل واحد منهم للتفكير في مصلحته الذاتية بعيدا عن مصلحة الكل بل تصور له المصلحة العامة كضد لمصلحته الخاصة فينخرط مع السلطة في عملية نسف المصلحة العامة دون أن يدرك أنه بذلك إنما يشرع هيمنة السلطة (التي تعبر في النهاية عن نفوذ ما) على مصلحته الخاصة التي ليست في النهاية إلا جزءا من المصلحة العامة. إن انخراط الأفراد في لعبة السلطة قد يصل أحيانا لتبرير الفساد والتعمية عليه بل والمشاركة فيه للاقتناع أنه الأداة الوحيدة لتحقيق المصلحة الخاصة التي تم عزلها بفضل تلاعب السلطة عن المصلحة العامة وبذلك يعمم الفساد.

يبدو أن السلطة قد هيمنت وبشكل حاسم على الفضاء السياسي والاقتصادي العام وامتلكت كل أدوات ووسائل التلاعب بالعقول وخاصة الإعلام، ولم يبق للمقاومين والمقاومة إلا الاتجاه نحو الفضاء الذي يصنع المستقبل والذي تجاهد السلطة بكل الوسائل المتاحة لها بمنع هيمنة المقاومة عليه لأنها تدرك جيدًا أن تحقق ذلك يعني في النهاية فقدان السلطة لسيطرتها على حقل علاقات القوة وتحقق التوازن بين الحرية والمساواة. إن المجال التربوي والأخلاقي هما السبيل الوحيد للدفاع عن المجتمع ضد هيمنة السلطة وهما النهج الصحيح لتحقيق الدولة الديمقراطية الحقيقية التي يتحقق داخلها التوازن بين الحرية والقانون. إن إصلاح المنظومة التربوية وما يتبعه ضرورة من إصلاح أخلاقي وقيمي هو الطريق لكبح السلطة وإرجاع التوازن لحقل علاقات القوة. فلن تتحقق أهداف الثورة ما لم تجبر السلطة على الخضوع للأخلاق والقيم الإنسانية ولن يتحقق هذا دون إصلاح تربوي حقيقي تقوده المقاومة لا السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد