«عنست البكر طال مكثها عند أهلها وطالت عزوبيتها» هكذا اصطُلِحَ لغةً، وتعارف الناس قديمًا وحديثًا، على وصم العزباء إن تأخرت بالزواج بالعنوسة، يشكل زواجها تخفيف عبء اقتصادي واجتماعي عن ذويها، وتحظى هي بفرصة الارتباط والإنجاب، وخوض تجربة الأمومة، وتنشئة الأبناء إلى حين تزويجهم بدورهم، فتصير جدة بدورها لها أحفاد وحفيدات، كما هي دورة حياة العمر.

ولنتفق أن مفهوم العنوسة هو مفهوم اقتصادي اجتماعي معًا، فكل عانس عبء اقتصادي، من ناحية، وعبء اجتماعي، من ناحية أخرى، فكون الفتاة عانسًا، في أسرة ما، أمر يدعو للحرج، والقلق والاستياء، والشفقة، معًا، لكل الأطراف، الفتاة، وذويها والمجتمع، أيضًا، فالفتاة من ناحيتها، ومن منظور اجتماعي هي جزء منه، تشعر بالضيق، والأسى على نفسها، وتأخر فرصتها، ومرور الزمن، وتقدمها بالسن، وبالتالي تضاؤل حظها بالزواج، وظروفه، وفرصه، وما يتبعه من إنجاب، وتنشئة الأبناء، ومشاركتهم مراحلهم العمرية، ومن جانب آخر، ضيقها بضيق ذويها، بعنوستها (كما يرون)، وقلقهم على مستقبلها، وضيقها بنظرة المجتمع لها، التي تحمل الشفقة، والتبخيس، والحكم عليها بالخيبة، والفشل، أيضًا من منظارهم المجتمعي، ومنظارها معًا.

وطبعًا لا بد من الإشارة، أن مفهوم العنوسة موجود حتى بالمجتمعات الغربية المتقدمة، بمراحل تاريخية سابقة، وإلى اليوم ولكن مع تبخيس أقل، فهنالك أي في المجتمعات الغربية، يلغي النظام الاقتصادي، والضمان الاجتماعي، تلك الذريعة الاقتصادية الاجتماعية، في مجتمعاتنا، التي تكون أساس هذا الاعتبار التبخيسي، لتبقى حاجتها البيولوجية التكوينية، للارتباط برجل، وإنجاب أبناء، وتربيتهم وتنشئتهم، وهو حق مشروع، منسجم مع الطبيعة، ولكن مع التعقل والنظر، في ظروف كالتي نعيش بها، ونتذوق مرارها، وبالعودة ليومنا الراهن، مع تعليم المرأة، وعملها، وتحملها الأعباء الاقتصادية، مع الرجل ومزاحمته، في شتى مناحي الحياة المعاصرة، وتحديدًا في ظروف واقع، المجتمعات العربية المُرثى لها حاليًا، وتدهورها، بحيث أصبح الزواج، فرصة للانفصال والخلاف، وليس للارتباط والوفق، وفرصة لمد المجتمع، بأجيال معطوبة التنشئة، في ظل ظروف الحروب، والتدهور، والقهر، والشتات، أجيال تُستَدعى ليس لاستمرار الحياة، والخلق الجديد، والازدهار وإنما لتشارك ذويها، في البؤس، والشقاء، والتعاسة، واستمرار ملحمة العذاب، والضياع.

وفي ظل هذه التساؤلات، هل ما تزال الفتاة عبئًا على أسرتها؟ وهل فرص الزواج، وتكوين الأسر الجديدة عمومًا، موجودة في وقتنا الحالي، وممكنة؟ وهل للأجيال المحتملة القدوم، إلى حياتنا وواقعنا، فرصة بالعيش، والاستمرار، والتفتح في هذا الخراب؟ وما هي صورة هذه الفرصة؟! لتغدو للمفارقات حالة العنوسة، حالة إيجابية بحكم الواقع، وحالة حكيمة، وعاقلة، بحيث تتوافق مع المثل السائر «اقعدي في بيت والدك واشبعي دلال الشوارب كتار لكن الرجال قلال» وإن أردنا ليس ما عناه على وجه الدقة، وإنما واقعا، فعن أي فرص زواج، وتكوين أسر، وتنشئة أبناء، وفرص حياة، يتحدث هذا المجتمع، في هذا الزمن؟! وعن أي عبء اقتصادي اجتماعي، يتحدث؟! في وقت فاق تعداد الإناث، تعداد الرجال بكثير، ناهيك عن حمل العبء الاقتصادي ذاك، من قبل الفتاة نفسها، في تسعة أعشار الحالات في الأسر، ونهاية نبقى في انتظار، أنظمة ضمان اجتماعي، كالتي في الدول المتقدمة، تتكفل بالفرد منذ ولادته وحتى مماته، إناثًا وذكورًا، وتنقض ذرائع المجتمع، وتذروها مع الريح، أما عن المتقدمين ببث الحياة، في هذا الخراب، وفي يبس هذه الأيام، فيجب النظر، وإعادة النظر، بتأمل وتعقل، وواقعية، ووعي، مرتين وثلاث، في ما حولنا، وما نحن فيه، وما نسير إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد