“الوطن يعيش بسواعد الشباب”، جملة لا ينساها أي مسئول في خطاباته مهما كان منصبه، ولا يهم أن يقولها في غير موضعها، ولكن المهم أن يذكرها ويؤدي واجبه تجاه الشباب حتى لا يتجرأ أحدهم ويتهم الدولة زورًا وبهتانـًا بأنها تهمش دور الشباب وتدفعهم إلى المجهول لا سمح الله.

نشأنا في مدارسنا على أن الدولة هي الراعي الرسمي للشباب، والتعاقد ساري حتى نفاذ الكمية التي قاربت على النفاذ، أطلقت الدولة الشعارات وفرح الجمهور وأُسدل الستار على مسرحية شأنها شأن عديد من المسرحيات التي تعرض على مسرح الدولة لبيع التذاكر وجمع الأرباح، لا يمكنني أن أنسى تلك المشاهد السمجة في السينما المصرية التي كانت مفتعلة لدرجة لا يمكن وصفها و”كله عشان الحكومة” التي تجسد طيبة قلب وحنان السلطة على أبنائها الشباب.

 

ولا أنسى مشهد من فيلم “كراكون ف الشارع” عندما أراد “عادل إمام” أن يمتلك قطعة أرض في الصحراء،وواجهه رفض الدولة والأمر بالإزالة، وفي وجود البلدوزرالذي جاء ليزيل المنازل الخشبية وهو على بُعد 10 أمتار منها يضعنا المخرج في مشهد آخر يدور في مكتب مسئول كبير يجري اتصالاته وإذ فجأة تصله مكالمة مهمة ينطلق معها السلام الوطني وتتحول الكاميرا للصورة المعلقة فوق رأسه بكل محبة وسلام، على الجانب الآخر تجد البلدوزر ما زال يقطع الـ 10 متر بكل صعوبة فيما يقارب الربع ساعة ونظرات الترقب تعلو وجه “عادل إمام” حتى يظهر رجل الشرطة الأصيل قاطعًا طريق البلدوزر وتعلو وجهه ابتسامة موظفي خدمة العملاء ويهنئ الشباب بتملكهم لقطعة الأرض، دراما مصرية أصيلة.

خلاص يا سيدي،عرفنا أن السيد المسئول راعي الشباب في مصر، يبقى أن نعرف – وأظنه من أبسط حقوقنا- ما تعريف الدولة للشباب؟ سامحوني على هذا السؤال الذي قد يبدو سخيفـًا، لكنه على الأقل مشروع، ولم يدخل تحت طائلة الأسئلة الممنوعة حتى الآن، دعني أوفر عليك إجاباتك وتفسيراتك الرائعة التي أجد نفسيفي غنى عنها، الشباب سيدي الفاضل هم الفئة المُعذبة في أرض المحروسة، نظرًا لحظهم السيئ الذي أوقعهم في هذا المكان، ماذا تنتظر من شباب يقضى أجمل سنين عمره – كما يقولون- في المعتقلات، أو إذا حالفه الحظ وكان خارجها فهو تحت الميكروسكوب انتظارًا لأن يقع في شر أعماله، ويصرح برأيه ليحصل على نصيبه من المطاردة.

 

على مدار ثلاث سنوات مضت تم استنزاف طاقاتنا وأحلامنا وطموحاتنا من كل حدب وصوب تحت شعار “انتوا لسه صغيرين”، أصبحت دماؤنا مباحة لتروي شجرة الفساد، ويجب علينا أن نبتسم عند سماعنا أغانيهم الوطنية التي تمجد في دور الشباب ومشاركته الفعالة، أصبح من الجرائم أن نستنكر تهميش دورنا واعتقالنا وضياع مستقبلنا، يجب علينا أن نصمت ونرضى بالأمر الواقع وإلا فالعاقبة معلومة، فالدولة ترعى الشباب!

لا أعتقد أن “زينب المهدي” كانت سعيدة وهي تلف الحبل حول رقبتها وتنتحر شنقـًا، ولا أظنها قد اهتمت بما قد يُقال عنها بعد موتها أوأنها كانت تحلم بالشهرة التي يحصل عليها الأموات بعد موتهم وبعض كلمات التعاطف والاستنكار، ولا أظن أيضًا أن الانتحار شيء مغري ومحبب إلى القلب كي تقبل عليه بإرادتها وهي سعيدة.

 

المشهد ليس سينمائيًّا كما نشاهده في الأفلام حيث يكون البطل عميقـًا وفجأة وبعد الضغوط يقرر أن ينتحر وينتهي المشهد، شهدت “زينب” ما شهدناه جميعًا من واقع منفر من الحياة ومجتمع متعطشللدماء غارق في الجهل يسبح بحمد جلاديه، شهدت ما ناضلت من أجله ينهار وعاد الوضع أسوأ من ذي قبل، شهدت الدم يتحول إلى ماء يسيل في شوارعنا دون حساب وأصحابه من الشهداء والجرحى يتهمون بأنهم قتلوا وجرحوا أنفسهم، شاهدتنا مطاردين مشتتين، شاهدت الجحيم يستقر على أرض وطنها ويحاصرها من كل الجوانب.

 

كان هذا كفيلاً بأن تتخذ قرارها وتتخلص من جحيمهم بنفسها قبل أن يقتلوها برصاصهم، لا تلوموا “زينب” على ما فعلت واصمتوا قليلاً وتخلوا ولو للحظة عن آلة النقد التي تمتلكونها، لا تحدثني عن أنها بذلك أصبحت كافرة فهذا بيد الله. أوليس هذا المجتمع بما يفعله بنا هو الكافر الأعظم؟!

 

المجتمع الذي يهرب منه شبابه خوفـًا من القتل أو الاعتقال، المجتمع الذي يُقتل فيه الدكتور “طارق الغندور” على يد سجانيه بإهمالهم لنزيفه حتى فارق الحياة، المجتمع الذي لم يهتم بما فعله 4 شباب في عملهم مع وكالة “ناسا”، المجتمع الكافر بالإنسانية هو مجتمع غير صالح للبشر، لا تلوموا “زينب” وادعوا لها بالرحمة بدلاً من التنظير الذي لم يعد مفيدًا، “زينب” ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فالدولة ترعى الشباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد