إن المدارس البحثية في علم الاجتماع على تنوعها وعلى اختلاف أشكالها وروادها، تسعى بالتأكيد إلى تأصيل المعنى التاريخي والتجسيدي للفعل الإنساني، باختلاف توجهاته ومنابر أفكاره، وبالتالي تسعى جاهدة إلى تحريك هذا المعنى في سياقات مختلفة ومتعددة، حتى يسهل للقارئ التعرف على حيثيات هذه السلوكيات الفكرية والعملية المختلفة. يتجسد في الكثير من الأحيان الفعل على شكل ممارسة في الإطار الاجتماعي، ومن خلال الردود الفعل تجاه البنية المؤسساتية والفردية على سواء، ومن خلال هذه التركمات العميقة يسهل للعالم في مجال السوسيولوجية وضع أطر نظرية واصفة وفاهمة للذات الفرد داخل محيطه الإجتماعي وتفاعلاته مع الإنسانية جمعاء. ومن خلال هذه الرؤية الكلاسيكية لعلم الاجتماع، تأسس مفهوم النص الذي يعتبر هو الآخر شكلًا من أشكال التعبير الحقيقية على مكنونات الفرد تجاه نفسه وكذا محيطه، لذلك يعتبر النص هو دلالة معبرة بفعالية عن أيديولجية الكاتب الفكرية، وتوجهاته العرقية، وصولًا إلى مكبوتاته الجنسية والعاطفية، لذلك يعتبر النص في علم الاجتماع هو نزعة كتابية يعبر فيه الفرد بكل أريحية عن مشاعره تجاه القضايا المتنوعة، والتي غالبًا ما تعرف نوع من الطابوهية التي يصعب أن تتشفه بها في دائرتنا المحلية.

تلمود نرت رواية تطرح أم تجيب؟

تعتبر رواية «تلمود نرت» للكاتب الجزائري «مسينيسه تيبلالي» الصادرة عن دار «الجزائر تقرأ»، في اعتباري من الأهم الإنتاجات الفكرية في السنوات الأخيرة الماضية في الجزائر، حيث إن الكاتب حاول قدر الإمكان خلق مدرسة نموذجية معبرة عن الحالة التاريخية التي يسعى لتأريخه في كتابه، حيث ابتعد عن المضامين السائدة والمتعارف عليها في الكتابة، حيث انتقل من الكتابة الروائية إلى الكتابة التاريخية والتي وفِقَ فيها إلى حد كبير مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا العمل الروائي يعد أول إنتاج لهذا الكاتب المخضرم.

الظاهر عن ما ترسب في ذهني حول العمل الفني والفكري هذا، أن المجهود الذي بذله الكاتب يُعتبر مجهودًا حقيقيًا، وخاصة فيما يتعلق بالتفحص التاريخي والبحث المعمق والقراءات المتعددة الذي أفنى الكاتب في حدسي الخاص سنوات طوال ليرى مولوده هذا النور، حيث إن التفاصيل المُلقاة داخل سياج الرواية هي ليست عبثية إطلاقًا، حيث إنها تخدم بشكل كبير الجوهر والمحتوى الأساسي الذي يريد الباحث تحقيقه داخل فصول هذه الرواية. الأسئلة النفسية والاجتماعية التي تطرحها الراوية كان من المفروض أن تقوم الشخصيات المبعوثة للحياة داخل صندوق الرواية الإجابة عنها، لكن اختار الكاتب أن القارئ هو الذي يفتح باب الاجتهادات الشخصية ويجيب عنها وهذه الجزئية كانت من أمتع فصول الرواية.

من النص الروائي إلى النص السوسيو-فلسفي

غالبًا ما يحاول الكُتّابْ أنْ يكون لِنَصِهم الراوئي معنى يخدم توجهاتهم ونزعاتهم الفكرية، حيث إن النص الروائي في الأخير كما قلنا سابقًا ما هو إلا نتيجة لمكنونات الفرد الطبيعية والتي يحاول التعبير عنها وإعطاء الحياة لها وتجسيدها، بحيث تكون لها وقع مثلها مثل الأفعال والممارسات الحية.

إن النص الروائي يعيش هو الآخر حالة من العجز في الكثير من الأحيان، وخاصة في سياق التعبير العام حول الأرضية التي يعبر عنها، ولكن رواية تلمود نرت لم تعجز قط عن الوصف، بل بالغت فيه بشكل يفيد الرواية ولا يفسد متعة تفحصها وقراءتها على الإطلاق، حيث إن الفقرات الموجودة داخل الرواية حقًا تُعبر عن قطيعة بين الكاتب وموضوع كتابته، حيث نسمي هذه الصفة بالموضوعية المنهجية في الكتابة، حيث نرى أن موضوع وأحداث الرواية لا تمت بصلة للكاتب بل تتعداه لتصل إلى الموروث الإنساني أجمع، ومن هذا المنطلق أصاب الكاتب في تعبيراته حول الحالة العامة السائدة في تللك الفترة التاريخية القديمة، والتي بالتأكيد قام فيها الباحث بمجهود بحثي معتبر في فائدة الإضافة لعمله المميز هذا.

يشير صاحب كتاب «مقدمات في سوسيولوجية الرواية» عالم الاجتماع «لوسيان غولدمان» أن الكتابة الروائية لا بد عن توافر فيها مبدأ الإقناع في الطرح، حيث إن الإقناع في نظر غولدمان لا بد أن يجمع بين النزعات الإنسانية والطرح النقدي البنّاء، حيث إن رواية تلمود نرت – ماغفل عنه كاليستيناس وتغافل عنه لاحق المؤرخين – هي تشكيلة من النزعات والتوافقات النظرية، فالبنيوية التشريحية ظاهرة وبقوة من خلال تفكيك الأحوال النفسية والاجتماعية التي ترتبط أجزاءها بالخط الرئيس للرواية، فبناءات الفصل الأول هي أرضية خصبة لترسيخ أعمدة للوصول إلى نهاية الكتاب والتي أعتبرها شخصيًا مقتضبة نوعًا ما عن البدايات التي أعطت نفسًا آخر للرواية.

يعتبر الصراع الماركسي كذلك حاضرًا بقوة في الكثير من المحطات، وقد تم الإشارة إليه من خلال الصراعات بين أهل المماليك والشحصيات المحورية في الرواية، حيث إن الرواية قد أرَخّت بشكل ملحوظ أسباب ودوافع الصراعات الموجودة بين أبطال العمل الروائي الذي ما فتئ الكاتب يذكرنا به في كل تفصيلة من تفاصيل البناء الروائي، حيث إن غالبية الشخصيات قد تصارعت بشكل من أشكال الصراع الذي يؤسس له كارل ماركس، إما إنطلاقًا من اعتبارات تاريخية أو نفسية، وحتى سياسية في الكثير من الأحيان. الملفت للنظر كذلك في الراوية أن مسألة اغتراب الذات مطروحة بشكل يُسمع قبل أن يُقرأ وهذا راجع في الأساس للأسلوب الشيق في صياغة الحوارات بين الشخصيات داخل محاور الراوية.

إن الأعمال الفنية هي خالدة الإنسان، ولذلك يحاول كل منا أن يكون له سيرة تعبر عنه وتحكي تفاصيله، رواية تلمود نرت من أكثر الراوية إمتاعًا التي اطلعت عليها في السنوات الأخيرة الماضية، هي رواية تحكي عن جزء مهم في صناعة الحضارة البشرية والإنسانية، حاول الكاتب أن يكون سهلًا بسيطًا في الطرح، صعبًا لتقليد أو المحاكاة، هي رواية كُتبت لتبقى وتُدرس وتؤرخ.

الفعل الروائي مهما كان فهو جميل، ولكن أرشفته أجمل، رواية من التاريخ وإلى التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد