في المجتعات حيث تقل معدلات التنمية، ويتثاقل الفساد الإداري والتنظيمي ويتم توزيع الثروات بتباين متحيز لفئة معينة، كل هذه العوامل تشكل بيئة خصبة لظهور ما يطلق عليه بأحزمة البؤس، حيث يتناسل ويستشري الفقر والجهل والبطالة وغيرها من العلل الاجتماعية بين الأفراد نتيجة لغياب التوازن.

وظهورها – أحزمة البؤس – هو أشبه بعارض مرضي يعطي إشارة إلى اختلال معين في بنية من بنى المجتمع، بحيث تجاهله قد يفضي إلى تناسل الأعراض لكل مناحي هذا المجتمع.

ففي هذه الأحزمة يلقي الاجتماعي ظلاله على تشكيل النفسي لدى الأفراد، فجهل الوالدين على المستوى الميكرو – اجتماعي تنتج عنه تربية غير سوية للطفل – الفرد الراشد والفاعل مستقبلًا – بما قد تتضمنه من عنف أو حرمان من الدراسة أو تمرير لأفكار تنتصر لثقافة ارتكاسية معينة، أو الدفع به إلى سوق الشغل في سن مبكرة؛ مما قد يؤثر بالسلب على تكوين شخصيته، بالإضافة إلى فقر وعوز هذين الأخيرين والذي بدوره قد ينتج عنه شعوره بالحاجة والعوز والنقص، وهو ما يمكن أن يؤثر كذلك بالسلب على صحته النفسية، أما على المستوى الماكرو – اجتماعي حيث ترتبط مراهقة الفرد وجنوحه للاستقلالية بتفاعل وثيق بينه وبين المجتمع الخارجي، فالحياة غالبًا ما تأخد في هذه الحزم منعطفًا آخر، إذ يتعرض لعدد من المتغيرات السلبية، كالمخدرات على سبيل المثال لا الحصر، والتي نظرًا لسهولة ولوجه إياها وشيوع استعمالها في ظل محيط يفتقر لشروط الأمن والتوعية، قد تكون بمثابة المسمار الأخير في نعش صحته النفسية وأحيانًا العقلية، هذا مع صعوبة استيفاء هذا الفرد حاجياته الطبيعية في أوج تفجرها – البلوغ – بالشكل المشروع من حيث إجماع المجتمع – الزواج – نظرًا لتدني الوضع الاجتماعي والبطالة، ما يقود كذلك إلى أعطاب نفسية يغذيها الكبت الجنسي والتي قد تؤول لاحقًا لحوادث اغتصاب وغيرها، وهو ما أشار إليه فرويد الذي يرجع معظم المشاكل النفسية التى يعانى منها الإنسان إلى الجنس.

إلى حد ما ومن باب التبسيط، هكذا تتشكل أحزمة البؤس، وهكذا يشكل الإجتماعي النفسي، وهو نفس ما أشار إليه دوركهايم في بحثه حول الانتحار، حيث اهتدى إلى أن بواعثه هي بواعث اجتماعية قبل نفسية، وعليه فهكذا تنتج لنا هذه الأحزمة أفرادًا غير أسوياء.

وحتى لا نلقي المسؤولية كلها على كاهل المجتمع، فلا بد من الإشارة إلى أن هنالك وجهتي نظر في هذا الإطار، بين الطرح الدوركاييمي البنيوي الوظيفي، الذي يرى أن الظواهر الإجتماعية هي ظواهر إلزامية قهرية لا سلطان للفرد عليها وإن كان يعيها، وبذلك فالأفراد هم نتائج فقط لسيرورات اجتماعية، مجردون من خاصية الخيار.

وهناك التيار الفرداني المنهجي لبودون الذي يرى أن الفرد مسؤول عن تصرفاته بحيث أن اصطفاف هذه التصرفات بينها البين في ما يطلق عليه بالتجميع هو ما يشكل المجتمع، وعليه فالفرد في هذه الأحزمة مسؤول عن وضعه بشكل أو بآخر.

من هنا نقارب بين المدرستين حيث نخلص إلى أن الوضع السابق على وجود الفرد في المجتمع يمارس سلطة قهرية في توجيه خطاه، إلا أن هناك حيزًا من الخيار داخل هذه السلطة، وهو ما يسمح بظهور حالات في هذه الأحزمة تسلك مسارًا سويًا يخالف الانحراف والإجرام.

وعلى ضوء ما تم التطرق إليه يستطيع المرء أن يعي كنه الأعطاب التي قد تدفع الفرد لارتكاب عدد من الجرائم المروعة، كذبح طفل أو تقطيعه لأجزاء، حيث تكون بشكل أو بآخر نتائج نفسية لأعراض اجتماعية في الأصل، تطفو على السطح لتشي بخلل في البنية المجتمعية لا ينبغي تجاهله، حيث إن هذه الممارسات الشاذة لن تظل حبيسة دائرة أحزمة البؤس، بل ستستشري لما يقع خارج هذه الدائرة شيئًا فشيئًا إلى أن يتآكل المجتمع من الداخل.

تتكرر جرائم القتل في حق الأطفال بشكل مفزع ومثير للريبة في المجتمع المغربي، منها ما يوثق ليسترعي برهة من الإنتباه، ومنها ما يمر مرور الكرام، غير أن وضعية هذه الفئة عمومًا لا تبعث على الارتياح، بين أطفال في المحطات الطرقية يستنشقون المواد اللاصقة في أكياس البلاستيك وأطفال يتاجر بلحومهم للمرضى البيدوفيليين الأجانب والمحليين، وبين من يتم حرمانهم من دراستهم وتشغيلهم في سن أدنى من السن القانوني، وبين من يتم اغتصابهم وقتلهم والتنكيل بجثتهم، كل هذا يتطلب من الدولة إيجاد حلول ناجعة للحيلولة دون استشرائه بما لا نفاش فيه.

غير أن هناك سؤالًا مقلقًا يطرح نفسه مؤخرًا، أي نعم كل هذه الجرائم في حق هذه الفئة العمرية ليست بشيء جديد، لكن هناك متغير مختلف يطرح نفسه هذه المرة، وهو التوثيق المسترسل والتهويليّ لهذا النوع من الجرائم بشكل مريب في الآونة الأخيرة؟ بما يخالف المعتاد، يعود بنا الأمر إلى فيديوهات جرائم القتل المروعة التي استشرت في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مسترسل ومريب إبان حراك الريف، ليطرح سؤال كامن نفسه؟ هل يلوح المخزن مجددًا بورقة الانفلات الأمني؟ وهل هناك ارتباط بين شيوع أخبار الأطفال الضحايا بشكل ملحوظ مؤخرًا وبين ما عرفته الأيام الأخيرة من سخط وزخم، والتي بلغت أوجها في الدعم الشعبي لأغنية راب تناولت معاناة الشعب بين طياتها، وهي الأغنية المعنونة باسم عاش الشعب؟

لا نريد أن نكون من بين الموبوئين بنظرية المؤامرة، لكنها تظل بضع تساؤلات، وفي حال ما كان توثيق هذه الجرائم متوخى من طرف المخزن أم لا، فهو يظل في غير صالحه في حقيقة الأمر، فلو كان – المخزن – يجزم بأنه لا استقرار إلا في ظل ديمومته، فهذه الشرائط والأخبار الموثقة تكشف وبالملموس عجزه عن تحقيق الاستقرار الذي يساوم به أفراد المجتمع على قعوده، فما الفرق بين وجوده من عدمه في ظل هذه الانفلاتات الأمنية؟ تساؤل وجد طريقه للظهور في سلوك الأفراد من حي القرية، حي الطفل الضحية بسلا الذين انهالو على سيارة الشرطة بالضرب والتكسير، في حنق واضح وصريح من الجهات الأمنية، فهل تكون ورقة المخزن الرابحة مع عدد من التراكمات التي سبق الإشارة إليها هي نفسها الورقة التي سيحترق بها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد