منذ زمن بعيد أهدانا أحد أصدقاء زوجي كتابًا له اسم غريب شدني لقراءته.. (ذات).. هكذا كان الاسم. عرفت من قراءاتي السابقة أميرة عربية كانت تسمى ذات الهمة، ورجحت أن يكون الكتاب عنها. أثار اسم المؤلف فضولي؛ فقد قرأت أنه رفض تسلم جائزة من جوائز الدولة التي توزع عادة على المقربين من ذوي النفوذ ومحاسيب السلطة، جائزة الرواية العربية عام 2003، ورغم أن شكل الرجل بشعره المنطلق حرًا في كل اتجاه أثار استغرابي، إلا أنني احترمت فيه وقوفه أمام الجميع ورفضه الجائزة على العلن؛ مما أثار حرج منظمي الاحتفال. كل هذا دفعني لقراءة الكتاب وبشغف التهمت أولى صفحاته. بدأت قصة ذات كقصة لها بعد سياسي، ليس هذا فحسب، بل إن الكاتب كان جريئًا بشكل لم أجده من قبل في وصف الفساد في العهد الناصري وما بعده.. لكن كانت هناك دوما كلمات يراد منها استدعاء الغريزة بشكل غير مفهوم. قرأت الرواية كلها، ثم نسيتها حتى عام ٢٠١٣، عندما سمعت أنها ستعرض كمسلسل. لم أدر كيف سيتصرف المخرج في بعض الأجزاء غير المناسبة لأعرافنا ، لكني تشوقت إلى مشاهدته.

كان وقت عرض المسلسل يوليو (تموز) 2013 ربما في رمضان على ما أذكر، وواضح انه شد انتباه عدد كبير من الناس. عندما تركت العمل وصار عندي بعض الوقت، شاهدت حلقاته وحدي؛ إذ أني تخوفت أن تكون بعض مشاهده غير لائقة لأن أشاهدها مع أولادي. لم أشاهد المسلسل لغرض الاستمتاع أو إضاعة الوقت، لكن كنت أسعى لاكتشاف الهدف الحقيقي من ورائه.. كانت الحلقة الأولى جيدة جدًا، وهالني التدقيق في التفاصيل الصغيرة فيها كالملابس والعربات، لكن بعد حوالي خمس حلقات، وضح لي الهدف الرئيس منه! النقاط التالية تمثل ملاحظاتي ومقارنة بين الكتاب والمسلسل:

لم يجرؤ المسلسل على التطرق لأمثلة الفساد المختلفة في العهد الناصري ولا عهد السادات، إلا بلمحات خفية.

الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة التي كانت دلالة على تغيير في النمط الاستهلاكي لمجتمع المصري، مثلًا تحول البلاط إلى سيراميك، الموكيت وصرعة ورق الحائط، الكاسيت الذي كان موجودًا في كل البيوت، ثم دخول التلفزيون الملون. وتغيير الحمامات والمطابخ إلي القيشاني، وهي بالفعل كانت تمثل الذوق العام للمصريين على مدار تلك الفترة.

الاهتمام بالأزياء المميزة لكل فترة، بداية من الميني جيب وسراويل الرجال الواسعة من الأسفل، أو ما عرف بـ(رجل الفيل) إلى تسريحات الرأس في السبعينات، ثم إنتشار الحجاب بكثافة، غير أن المسلسل يظهر ذلك التحول في الزي الخارجي لنساء مصر، على أنه تأثر بالفكر القادم من السعودية ودول الخليج. ويقارن بإتقان بين المحجبة التي لا ضمير لها، والسافرة التي تراعي الله.

التركيز على قضايا بعينها كقضية الختان، وربط نجاح الزواج بالختان أو عدمه، مع مشاهد تثير الغثيان والتعاطف مع البطلة في نفس الوقت، وتم استدعاء هذا الموضوع كثيرًا في المسلسل وربطه بالدين، مع أن والدة البطلة لم تكن على قدر من التدين الملحوظ.

تم التركيز على شخصية الطالب الشيوعي العلماني الذي وقعت في حبه ذات في فترة الجامعة، وتصويره كمناضل سياسي سجن وعذب حتى أثر ذلك في جسده، بينما لم يذكر أي فريق إسلامي أخر ذاق الهوان والهول في معتقلات ناصر. هذا التشويه التاريخي، وغرس الزيف بين العامة، كان له مغزى كبير في هذا الوقت الذي وصل فيه حزب إسلامي إلى سدة الحكم في مصر. كان المسلسل معولًا من معاول هدم الاحترام الذي كان موجودًا في قلوب الناس تجاه المتدينين، وربما كان هذا التسفيه من أسباب الانحطاط السريع الذي توالى على مصر بعد ذلك في الأخلاق العامة والمعاملات بين الناس.

أما معالجة المسلسل لفترة الثمانينات، فترة الجماعات المسلحة وانتشار مظاهر التدين كالذقن واللحية مثلًا فتمت معالجتها بطريقة خبيثة؛ فزوج البنت الذي كان يعمل بالسياحة وكان شابًا منفتحا، أطال فجأة لحيته، وبدأ يتردد على المساجد، ويطلب من زوجته الالتزام بزيها الاسلامي، وهي مطالب طبيعية لأي رجل مسلم، لكن المسلسل يصورها وكأن الرجل يقهر الزوجة المسكينة، ثم يتدرج إلى ربط هذا بحادثة الارهاب التي يموت فيها أخو البطلة.. الذي أظهره المسلسل كشاب عابث أناني، ترك حمل رعاية أمه مع أنه ولدها الوحيد على عاتق الأخت،لكن المسلسل لا يجعلك تشعر بالحنق عليه، كالحنق الذي يتراكم داخلك كمشاهد ضد زوج الابنة الإرهابي الصغير.

أبدعت نيلي كريم في تمثيلها هذا الدور، وكذلك الممثل الذي أدي دور الزوج.. أتكلم هنا عن وجهة النظر الفنية كمتلقية وليس النظرة الدينية. أبدع مصم الملابس وفنان المكياج في تصوير ذات كشابة جميلة متخبطة، بين أم متسلطة وأخ أناني، وصديقة حازمة الرأي. ثم كبرت ذات وأصبحت أمًا، وموظفة.. وارتدت بونيه فوق رأسها، وبدأت ملامح الزمن ومجاهدة الحياة تظهر عليها.. بدت ككل سيدة مصرية أثقل عليها الزوج والأبناء، وحملها المجتمع مراعاة أمها، بينما تزوج الأخ صديقتها وهاجرا.. ذات امرأة مصرية نطقت ملامحها بكل حزن الزوجة المظلومة عاطفيًا وماديًا.. لذلك استدرت التعاطف من قلوب كل من شاهدوها.

أما الكاتب الذي قدم نفسه كمتمرد وثائر على أخطاء مجتمعه، والذي كان صوته مسموعًا أيام مبارك وعلا صوته وانتقاده أكثر في حكم الإسلاميين، فلم نسمع له صوتًا بعد ذلك!

نهاية المسلسل كانت ركيكة، لكن من سيهتم؟ لقد تم عمل هذا المسلسل لإيصال رسالة معينة في توقيت معين، وأظنها وصلت تمامًا إلى المتلقين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد