لقد أعطينا اهتمامًا كبيرًا للعلوم الخدمية أو الخدماتية مثل: الطب، والهندسة، والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء، والزراعة… التي غالبًا ما -في نظري- تحوّل الإنسان إلى آلة بشرية، تلتهم الكتب والأوراق والكراسات، ومَنْ دَرَسَ الطب مثلًا يُدرك ما أعنيه، خاصة في بلادنا لغياب الظروف الملائمة (التطبيق خاصة)، والاعتماد على الجانب النظري البحت، وهو بدوره يفتقر إلى المنهج العلمي الصحيح، الذي يساعد على بلورة وتفكيك العلوم وإيضاحها، ولا يخفى على أحد، وهو ما لا يمكن إنكاره أو إخفائه أنه قد برز ونبغ في مثل هذه العلوم كثير من أبناء أمتنا الإسلامية، وكثير من هؤلاء قد اقتحموا هذا المجال دون إدراك للواقع العام، وما تتطلبه المرحلة، بل دون إدراك لواقع أنفسهم، وفي حالة من عدم الإدراك التام لمقدراتهم وإمكاناتهم العقلية، والكارثة الأكبر من هذا هو معاملة هؤلاء بالرغم من تميزهم في اختصاصاتهم معاملة الكنيسة للفلاسفة قديمًا.

صحيح أن مثل هذه العلوم لها دور كبير في إرساء التنمية الاقتصادية، وتحقيق النهضة الحضارية للأوطان، لكن هذه العلوم لن تحقق غاياتها، إلا إذا قامت على دراسات إنسانية واجتماعية، معمقة ودقيقة وشاملة ومحينة، تكشف عن الاحتياج الحقيقي للإنسان، الذي هو محور التنمية وغايتها؛ لأنه دونما فهم ووعي لطبيعة الإنسان، وأبعاده المادية والنفسية، وما يمر به من تغيرات عبر الزمن، ودون معرفة بأنماط تفكيره وميولاته واحتياجاته التي تتغير بتغير الزمان والمكان والدين والعرق والانتماء، ودونما فهم واستيعاب للمقدورات والإمكانات والطاقات البشرية التي مَنَّ الله بها على عباده، وفضل بعضهم على بعض درجات، فلن يكون للتطور العلمي والتكنولوجي أي فائدة، إذا ما صاحبه غياب تام لهذه الأمور المذكورة آنفًا، وقتل وإزهاق لروح الإبداع والعقل والنفس البشرية.

لقد فشلت كل الآليات المستوردة -أقصد الاستيراد والتقليد الأعمى أو ما يسمى بالذوبان الحضاري في الآخر- من الغرب في الاقتصاد والسياسة ومختلف المجالات الأخرى، في تحقيق التطور البسيط، ولو في جزء صغير من مكونات الدولة في بلادنا العربية (الجزائر نموذجًا) بالرغم من نجاحها في مهدها الأول، وهذا أمر لا يدعو إلى الغرابة أو الحيرة، بل إنه أمر طبيعي؛ ذلك أن هذه الآليات والوسائل والسياسات تم وضعها لتكون ملائمة لواقع غير واقعنا، ومجتمع غير مجتمعنا، بعد دراسات اجتماعية وإنسانية متخصصة، كشفت عن التركيبة البشرية المكونة للمجتمع الغربي.

لقد فشلنا في كل شيء للأسف الشديد؛ ذلك أننا لم نعط قيمة للإنسان الذي قلت وأكرر إنه هو محور التنمية وهدفها، والاهتمام بهذا الإنسان لا يكون من باب المشاعر الإنسانية التي نكنها لبعضنا البعض -وإن كانت مهمة ولها بعدها في مجال العلوم الإنسانية-، بل لا بد أن يكون هذا الإنسان محور بحث مستميت، ودراسة جادة تسعى للارتقاء بهذا الكائن العجيب والمبدع، ونحن للأسف الشديد أهملنا هذا الكائن بإهمالنا للمدرسة الإنسانية والفكرية التي تصنع مغيري العالم ومحركيه، في حين أن الذي كان رائدًا في هذا المجال هو من بني جلدتنا إنه العلامة «ابن خلدون» مؤسس علم الاجتماع والعمران، ويبقى هذا القامة العلمية مطموسًا في العقل العربي المسلم، الذي أثقله التقليد وتفكير المسطرة، حتى يأتي رجل اسمه «جاكوب خوليو» في عام 1636م؛ ليعطي لهذا الكنز العظيم ومقدمته الشهيرة بـ«كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» الاهتمام الذي يستحقه علم هذا الرجل ويتأثر به أيما تأثير، فكتب كتابًا سماه «رحلات ابن خلدون»، بات يتسابق له كبار مفكرو وفلاسفة أوروبا والعالم أجمع، ونذكر منهم: «بير فاتيف، صامويل مانجر، سليفستر دو ساسي، وهامر بورشتيفال» هذا الأخير الذي نعى «ابن خلدون» بـ«منتسكيو العرب».

كل هذا الاهتمام من الغرب بهذا الرجل الكبير، والذي سبق زمانه، وأسس لعلم الاجتماع الحديث، وأبدع فيه ونحن في سبات من الجهل العميق، ثم نأتي بعد ذلك وندّعي وصلًا به، ونقول إن «ابن خلدون» قد ولد في تونس، وعاش في الجزائر، وكان قاضي القضاة في تونس، واستوزر في الأندلس، هذا صحيح، ولكن ماذا بعد ذلك؟ هل أعطينا للرجل حقه؟ هل فهمنا ما يرمي إليه؟ أبدًا.

كما لا يجب أن ننسى المفكر الكبير «مالك بن نبي» الذي قامت على فكره حضارات عند غيرنا، وبيته عندنا لا يزال ترمى فيه قارورات الخمر، وقد رأيت ذلك بأم عيني.

إن عزوفنا عن ميدان الإنسانيات، وعلم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة والمنطق والسياسة والعلوم الناعمة بشكل عام؛ هو الذي جعلنا لا ندرك مجريات الواقع، والحراك العالمي من حولنا؛ وبالتالي خرجنا من حركة الحياة التي يعيشها الكون اليوم.

يقول الكاتب الأمريكي «جون هورجان» مؤلف الكتاب المشهور «نهاية العالم» في مقالة نشرتها مجلة «Scientific American» العلمية الشهيرة، بعنوان «لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة» إن في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعًا وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمنًا، تقع الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في جوهر هذه القضية؛ حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدرًا للقوة المدنية، والذاكرة الوطنية، والتفاهم الثقافي، والقيمة الفردية، والمُثل التي نتشاركها جميعًا؛ كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديمقراطي، ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.

ومع علمي بالواقع العملي المفروض، وسبب العزوف عن مثل هذه الميادين خاصة في بلادنا العربية، إلا أن ما يطرح من أسباب ومعوقات ليس كافيًا باعتباره مبررًا للابتعاد عن مثل هذه التخصصات بالطريقة التي نعرفها اليوم، وأنا أحسب أني أخاطب ذوي العقول النيرة، والهمم العالية، ولا أخاطب من ركبهم الواقع الوهمي المفروض.

وأخيرًا فإن تحقيق النهضة الحضارية ليس بالأمر الهين، وكما أنها من المستحيل إذا لم يكن الإنسان محورها، وهدفها الأساسي، ولن يكون كذلك إلا إذا كان محط اهتمام قائم على منهج علمي، يراعي الأبعاد المختلفة لهذا الكائن الفريد، ويبحث في مكنوناته ليكتشف مواطن وحقول الإبداع فيه؛ ليفجرها بعد ذلك، ومن ثم نستطيع العودة إلى عجلة الحياة الكونية مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد