نمطية صناعة الثقافة الجديدة

لا تولد الفكرة دائمًا مجردة عن الحدث، إنما في كثير من الأحيان تكون نتيجة لتفاعل الفكر مع الحدث، سواء أكان عموديًّا فرديًّا، أو أفقيًّا جماعيًّا، وفقًا للحظة الراهنة لذلك الحدث، متأثرًا ببعدي الزمان والمكان، وهذا يجعل تلك الفكرة أكثر تركيزًا، فتتأثر نحو الداخل أو نحو الخارج على حدٍ سواء، كما أشار إلى ذلك Collins، وكما يلي:

أولًا: التأثر نحو الداخل: يُوَلد الواقع أو الحدث المحلي بؤرة للتفكير فيه على مستوى الفرد وتفاعله معه لفترة زمنية معينة، سواء أكان هذا التأثر طويلًا يمتد إلى (أيام وأشهر)، أو قصيرًا (ثواني أو لو دقائق وربما ساعات) ثم ما يلبث هذا التأثر حتى يتحول إلى نقطة لتجمع الأفراد المتفاعلين معه في منظومة مجتمعية صغيرة، ويعتمد مقدار هذا التجمع على تركيز الحدث وقوته، وهذا ما سماه Goffman  (طقوس التفاعل interaction ritual).

والتي تؤدي بالنهاية إلى تكوين رموز ومشاعر تترسخ في البنية الفكرية للفرد أو المجموعة، وهما، أي (الرموز والمشاعر)، يشكلان الأداة والطاقة اللازمة للفكرة المفردة الناتجة عن الحدث، ورأس المال اللازم لتنشأ عنها مواقف أخرى في سلسلة متواصلة ومستمرة إلى أن تتشكل ثقافة جديدة فيها بنية فكرية، تحاول أن تثبت لنفسها البعد الفلسفي والمنطقي في حيز الهوية، أو الثقافة السائدة، أو تظهر بشكل ثقافة أو هوية فرعية تتبع الثقافة السائدة، وتتمحور حول نظرتها الكلية للإنسان والوجود والحياة، أو تحاول إعادة صياغة النظرة هذه لتكوين ثقافة أو هوية بديلة، تبدأ على مستوى تلك المجموعة المتأثرة بالحدث، وتنتشر بشكل متوالية هندسية تعتمد على مدى قوة فكرتها المركزية والمحفزة، ومدى هشاشة الثقافة أو الهوية الكلية السائدة.

والمتتبع لحركة الحياة وتاريخها يجد هذا الترتيب الفلسفي قد حدث في معظم الأحيان مع الأديان الجديدة، والفلسفات الثورية الناشئة، بل حتى إنه يحدث على مستوى فلسفة العلوم وتطبيقاتها، فنجد أن معظم الأديان بدأت إضافة إلى النبي المرسل، بمجموعة من الأفراد المؤمنين بالحدث (المعجز) والوحي، بوصفها واقعة أو (حدثًا اجتماعيًّا ) والقيم المتبلورة منه والأفكار الناتجة عن ذلك الإيمان.

وانتشرت بعد ذلك بشكل متسلسل، ومن الأمثلة على ذلك (سقراط وطلابه ومريديه، والحواريين مع سيدنا المسيح، عليه السلام، والصحابة في العهد المكي، ودار الأرقم مع المصطفى، عليه الصلاة والسلام، وابن رشد ومحاولته الفلسفية والأشعري ومحاولته العقائدية، ومنظري ومؤسسي الثورة الفرنسية، وفكرة آدم سمث ومن تابعه في ذلك حول رأس المال والحداثة وما بعدها كثقافة، بل قد يتعدى الأمر إلى منهجية التفكير العلمي وطريقته؛ فنيوتن وقوانينه ومدرسته الفيزيائية، ودارون ونظريته ومدرسته التطورية  ومن تابعهم، ثم نظرية الكم وانصارها، ثم الحركات القومية والدينية، والجماعات والأحزاب العقائدية والإيديولوجية…) كلها أنشأت حدثًا مركزًا تولدت منه رموز ومشاعر أظهرت هوية أو ثقافة جديدة أو متغيرة عن الثقافة الموجودة أو السائدة.

 وعلى العموم يمكن صياغة المكونات الخاصة باي حالة من حالات طقوس التفاعل كما يلي:

1- وجود حدث اجتماعي محفز.

2- اجتماع بين مجموعة من الناس أو من شخصين أو أكثر.

3- ينصب تركيز المجموعة على الحدث بحيث يدرك كل فرد في المجموعة أن الآخر يركز على الحدث نفسه.

4- يتشارك الجميع المزاج أو الحالة الشعورية.

5- اتحاد الجميع في واقع مشترك نتيجة للانتباه والتفاعل، والحركات الجسدية الناتجة منها وبشكل تراكمي.

6- شعور المشاركين بأنهم أعضاء في مجموعة، وأن لديهم التزامات أخلاقية تجاه بعضهم بعضًا، وتصبح هذه العلاقة رمزًا للحدث الذي كان تركيزهم عليه وسببًا في تجمعهم.

7- الوصول إلى طاقةٍ شعوريةٍ انتمائية تتناسب مع شدة التفاعل قد تؤدي بهم إلى التضحية بأرواحهم، والتي أطلق عليها دور كايم (الطاقة المعنوية أو الأخلاقية).

ومن فوائد هذه الطقوس

ا- إعطاء الناس مسلمات وبديهيات، أو صناعتها في العقل الباطن دون إعمال العقل فيها لدى الذين يتبنوا تلك الأفكار.

ب- بناء التعصب الفكري والقومي والفئوي، الذي أشار إليه ابن خلدون في مقدمته.

ج- صناعة ثقافة أو هوية جديدة أو فرعية.

وسنتكلم بالتفصيل في المقال القادم بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد