نمطية التغيير المجتمعي

لابد من الإقرار أن التغيير على مستوى العقائد والأفكار والقيم يعد أهم خطوة من خطوات التغيير في نمطية تركيبة المجتمع، فحالما يصل هذا التغيير إلى مستوياته العليا ويضع لنفسه بنى عقلية ومنطقية واضحة وراسخة حتى تبدأ الحركة تتحول من الحوار والجدال بين الأجيال إلى حراك يتصارع مع البُنى الاجتماعية السائدة، ثم ما يلبث أن يترك أثره على حركة الاقتصاد، وهنا يبدأ التغيير في مستواه الثاني.

التغيير الاجتماعي والاقتصادي

أي عملية تغيرية تبدأ من نقطة ثم تبدأ هذه النقطة بالتوسع كأنها دوامة ما تلبث أن تتحول إلى إعصار يغير كل شيء، وهكذا هي عملية التغيير المجتمعي، تبدأ من نقطة العقائد والأفكار وتمتد إلى القيم بأنواعها، ثم تكبر دائرة التاثير لتتحول إلى التركيبة البنيوية للمجتمع فتفككه ثم تعيد تركيبه وصياغته وفقا لنمط حياة جديدة تتلائم مع طبيعة الأفكار والقيم المستحدثة، وهذا يترك أثره على البنية الاقتصادية بالضرورة ويتم وفقًا لعدة مكونات منها:

التغيير في البُنية الاجتماعية

وتتم في هذه المرحلة إثارة تساؤلات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة وتراتبية المجتمع وتصنيفه ومستوياته، سواء كانت عرقية، أو طائفية، أو دينية، أو مدنية، وطنية، أو قومية، والتي لها علاقة وثيقة بالأيديولوجيا السائدة في ذلك المجتمع، فهي التي حددت هذه النمطية من العلاقة، ثم تنتقل هذه التساؤلات إلى انتقادات، ثم مطالبات بالتغيير، وهذه المرحلة تكون بعد اقتراب الأفكار المتجددة من النضوج لدى الجيل الصاعد من الفلاسفة والمفكرين، وانتقاله إلى شريحة المثقفين المؤثرين والاجتماعيين والنشطاء المدنيين، والذين هم نتاج جديد للفكر المعاصر، وتقع على عاتقهم مهمة تحويل الأفكار والقيم المتجددة، أو الجديدة وفقًا لمنظومتها الحديثة إلى بنى اجتماعية يقتنع بها العقل الجمعي ويصوغ حياته وفقًا لها (ومن الأمثلة على ذلك المجتمع المكي والمدني والمهاجرين والأنصار كنتيجة طبيعية للدين الاسلامي الجديد، طبقة الأمراء وطبقة النبلاء وعامة الشعب كمنتج لمنظومة الأفكار الكاثوليكية المرتبطة بالدين ودولة الملك، «وول ستريت» ورجالاتها والإنسان الاستهلاكي كمنتج للحضارة الغربية المتعلمنة، الشيعة والسنة والكرد كمنتج روجت له الأحزاب العقائدية في بداية الألفية).

التغيير في طبيعة العلاقات الاجتماعية

عندما تتفكك المجتمعات ويعاد صياغاتها وفقًا للمنظومات العقدية والقيمية الجديدة، فإن ذلك بالضرورة سيؤثر على طبيعة العلاقات التي تربط أعضاء المجتمع، فيغدو بعض الأصدقاء ضمن دائرة الأعداء، أو المحايدين، أو الغرباء، وتقل تدريجيًا العلاقة بين مكونات المجتمع القديم وتتشكل علاقات جديدة قائمة على أسس المنظومة العقدية المنتشرة حديثًا ما تلبث أن تتحول إلى علاقات قوية قد تفظي إلى تزاوجات وتصاهر بين المكونات الجديدة وتظهر طبيعة للولاءات والانتماءات على خلفية المكونات التي تم إنشاؤها وفقًا للمنظومة الفكرية الجديدة (التآخي بين المهاجرين والأنصار في العهد المكي، الولاء للكنيسة والملك في الكاثوليكية، الولاء للحزب والشيوعية، الولاء للطائفة في العراق قبل ثورة أكتوبر).

التغيير الاقتصادي

ويكون نتيجة حتمية للتغيير المجتمعي إذ إن لكل مجتمع نمط علاقات اقتصادية تتحدد وفقا لطبيعة العلاقات والبنى الاجتماعية الفكرية له فتجد أن السوق وحركة المال فيه ستخضع لهذه البنى وتوضع لها ضوابط وقوانين وتشريعات تحقق اتزان وقناعة على المستوى الذاتي للفرد داخل المجتمع وكذلك للمنظومة المجتمعية ككل، وتنشأ لذلك اجتهادات اقتصادية تتمثل في علاقات تجارية أو مشاريع ذات مردود اقتصادي، بل حتى الاستثمار الخارجي في المجتمع المتكون حديثًا يخضع لتلك المنظومات، وربما يسعى إلى تكييف نفسه بشكل يتلاءم ومتطلبات القيم والمجتمعية والبنية العلاقية والتركيبة له. ويبرز هذا التغيير في أنماط ثلاثة:

أ- التغير في السلوك الاقتصادي (استهلاكًا وإنتاجًا) على المستوى الفردي.

ب- التغيير في السلوك الجمعي (طبيعة العمال والوظائف وحركة المال والاستثمارات ونوعيتها).

ج- التغيير في القوانين والأنظمة التي تنظم حركة الاقتصاد.

وهذه الأنماط ستؤدي إلى نشوء فلسفة اقتصادية جديدة تنسجم مع المعتقدات والقيم والسلوك الاجتماعي وطبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الجديد، هذه الفلسفة تترك ظلالها على النظام الساسي السائد في ذلك المجتمع، فإن كان متلائمًا مع هذه الفلسفة فسيستمر بشكل طبيعي، أما إن كان النظام السائد لا يستطيع أن يوفر بيئة ينمو بها الاقتصاد الجديد وفلسفته فإن حراكًا مجتمعيًا سوف يحدث وبشكل تتدرجي إلى أن يتحول إلى ثورة أو تغيير سلس في النظام السياسي القائم. ومن الأمثلة على ذلك (فلسفة الاقتصاد المدني في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلسفة الاقتصاد في عهد عمر رضي الله عنه، الإقطاعات في العصور الوسطى، الرأسمالية ، الاشتراكية، اقصاد السوق، التجارة متعددة الجنسيات).

ثالثًا: التغيير في النظام السياسي

عادة ما تكون النتيجة النهائية للتغييرات الفكرية والقيمية والاجتماعية والاقتصادية هو تغيير في المنظومة السياسية وفلسفة الدولة ككل، فكما أن التغيير حدث في الأفراد والمجتمع والاقتصاد لزم أن يحدث تغيير في المنظومة السياسية كي يكتمل التغيير المنشود في تلك الحقبة، وهذا التغيير يولد معه بذور التغيير الفكري للحقب الجيلية القادمة؛ إذ يبدأ الجيل الجديد بالتمثل حيايتا فيقع في إخفاقات ويحقق نجاحات ونتيجة لهذا التفاعل الساسي مع الحياة وحركتها تتولد بذور التغيير الفكري القادم وهكذا تستمر الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد