الحقب الجيلية ونمطية التغيير المجتمعي

-1-

يبدو أن تقسيم العصور إلى قرون وتسميتها بأسماء وألقاب كتسمية القرن السابع عشر (قرن العباقرة)، أو تسمية القرن الخامس قبل الميلاد (العصر الذهبي الإغريقي)، فيه نوع من التضليل؛ وذلك لأن التغيير الفكري والاجتماعي يتم من خلال الأجيال، وكل قرن يحتوي ثلاثة أجيال أي إن كل جيل 33 عامًا، وهي المدة التقريبية للعمل التثقيفي الإبداعي وبنهاية هذه المدة يستبدل بجيل المفكرين الكبار جيل صاعد من المفكرين، فالحقب الجيلية تمثل وحدة التغيير البنيوي في فضاء الاهتمام الفكري (بتصرف من علم اجتماع الفلسفات).

ونعتقد أن العمل التثقيفي الإبداعي الذي يبدأ مع كل جيل إنما يؤدي بالنهاية إلى تغيير في مستويات ثلاث:

المستوى الأول: التغيير الفكري والقيمي .

المستوى الثاني: التغيير الاجتماعي الاقتصادي

المستوى الثالث: التغيير السياسي

وهذا يبدو متوالية هندسية تتحرك بسرعة خلال الحقبة الجيلية، فيجري التغيير أولًا وبشكل دقيق في البنى الفكرية والعقدية والأيديولوجية والقيمية للجيل الصاعد، وهذا بدوره يفضي إلى تغيير في العلاقات الاجتماعية وأساليبها وتأثيراتها، وكذلك يؤثر في نمط الحياة، والتي يبدعها الجيل الصاعد، وهذا يدفع المنظومة الاقتصادية للاستجابة بصورة قسرية لحاجات نمط الحياة الاجتماعية الجديد، ولما يعجز النظام السياسي على فهم هذه المتوالية والاستجابة لها يصبح تغييره ضرورة حياتية.

المستوى الأول: مستوى التغيير الفكري والقيمي:

يجري هذا المستوى ببطء شديد وحذر كبير، وصراع بين المعتقدات القديمة للجيل السابق، وخاصة أن فيه من كبار الفلاسفة أو المفكرين، والذي ترسخ لديهم المنتج الفكري بأدلة منطقية آنية قوية جدًّا، وأنتج منظومة اجتماعية داعمة له ومدافعة عنه ويبرز في هذه المرحلة من مراحل التغيير صدام كبير في الأسس العقدية للمنظومات الفكرية والأيديولوجية وربما تجر إلى صراع دموي بين القديم والجديد ويتحمل مسؤولية التغيير وإنتاج الفكر الجديد أو المتجدد الشاب في الأغلب وبعض الكبار من الذين يمتلكون القدرة على النقد ومستوى ذكاء عاطفي ومنطقي عالٍ، وتبرز نقاط ضعف واضحة لدى الجيل الجديد، وهي عدم وضوح المنتج الفكري لديهم؛ لأنه لم يتبلور بشكله النهائي، ولم ينتج منطومات اجتماعية فاعلة أو مجربة، إنما امتلاكهم القدرة على النقد وتشخيص الخلل بشكل واضح لدى المنتج الفكري القديم، والاستدلال على خلله من خلال المنظومات التي أنتجها ولم تعد صالحة، فيكتسب قوة لدى الجيل الناشئ ولا يستطيع الفكر القديم إلا أن يقدم حلولًا ترقيعية، أو يصادر آراء المفكرين الجدد بحجج منها قدسية ما أنتجه ومصدريته.

ويجري التغيير في هذا المستوى للآتي:

– التغيير العقدي: مناقشة العقائد السائدة في المجتمع وطريقة الاستدلال عليها، وغلبة العقل في النقد والاستدلال، ويؤدي هذا إلى ثبات بعضها وانهيار الآخر كحالة طبيعية للحراك العقدي (نموذج العهد المكي في الإسلام، ثورة مارتن لوثر في المسيحية، الحداثة كفلسفة تناقش المحتوى العقدي في أوروبا).

– التغيير الفكري الأيديولوجي: وهنا يجري التجديد أو التغيير في الأيديولوجيات المنبثقة من العقائد، وهي حالة استمرار للتغيير العقدي فالأيديولوجيا تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا في المعتقد المتبنى من قبل الفيلسوف أو المفكر، وانعكاساته واضحة على المجتمع المتبني لذلك المعتقد. (نموذج الشيوعية منتجًا للمادية والحتمية التاريخية، الإسلام السياسي منتجًا للحاكمية، والخلافة عقيدة، النازية منتجًا لعقيدة التفوق العرقي، العلمانية الشاملة منتجًا للحرية والثورة على ربط الكنيسة بالدولة).

– التغيير في القيم الفردية أو الشخصية: وتتمثل في مجموعة القيم التي تزرعها المعتقدات لدى الأفراد بشكل فردي، وتحدد طبيعة استجابة ذلك الفرد للمعتقد الذي يتبناه وكلما زاد امتلاكه من تلك القيم وتمثله بها زاد انتسابه إلى ذلك المعتقد ومنه: (الصدق، الشجاعة، الحب، الإخلاص، الأمانة، والوفاء)، والقيم السلبية: (الكذب، الانهزامية، الكراهية).

– التغيير في القيم المجتمعية: وترتبط هذه القيم بطريقة أو أخرى بالمعتقدات ومدى انتشارها في البنية الاجتماعية، وهذا يولد منظومة قيم تتغير في أولوياتها حسب تغير تلك المعتقدات، ومن أهم هذه القيم (الإيثار، الاحترام، العدل، الحرية، التعاون، المساواة، النظام، التكافل، الإتقان) أو قيم سلبية (الاستبداد، الفردية، الفوضى، الظلم الاجتماعي، التمييز العرقي أو الطائفي).

– التغيير في القيم المؤسساتية: لكل منظومة قيم فردية ومجتمعية تأثير كبير في المنظومات المؤسساتية وهي انعكاس واضح لها ومن هذه القيم: (المسؤولية، الكفاءة، التفوق، الإبداع)، والقيم السلبية لها: (اللا مسؤولية، المحسويبة، التقليد)

كل ذلك يؤدي بنا إلى إحداث نقلة نوعية في نمطية المجتمع المتكون خلال عقد من الزمن وتفاعلاته، وهو ما يمثل المستوى الثاني من نمطية التغيير المجتمعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد