حين يولد الكائن البشري يدخل بالضرورة في علاقة مع ما حوله، مثلًا هو عليه أن يتنفس فيدخل بتنفُسه في علاقة مع بيئته ينال نصيبه منها دون صراع بيّن في ذلك، لكن بما أن الهواء أهم ركائز وجود الجسد لماذا لا يسعى الإنسان للسيطرة عليه والتحكم في مصير الكائنات الأخرى، هو قطعًا لا يفعل ذلك مع الهواء لكن يفعله مع موجودات أخرى مثلًا «مساحات الأراضي، الماء و الموارد الغذائية… إلخ» وذلك ليحسّن من ظروف حياته ويحقق أكبر قدر من السعادة.

هكذا وعى الإنسان منذ البدء أنه كائن مختلف، وأن عليه السعي للسيطرة على الوجود ما استطاع مستخدمًا في ذلك عقله «التفكير» وفعله، فأنشأ شبكات من تجمعات بشرية تحكمها مصالح وأهداف وظروف مشتركة «تلك المصالح غالبًا ما تتعارض أو تتداخل مع مصالح جماعة أخرى».

حين أولد «أنا» أجد نفسي جزءأً من مجتمع أو جماعة سابقة عني في الوجود ومتجذرة في التاريخ وحاملة «بالضرورة» لثقافة ما، لأبدأ «أنا» في تعلم هذه الثقافة وممارسة الفعل المناسب لظروف وثقافة بيئتي، ولكن حين يستوقف المرء نفسه متسائلًا عن ذاته «والذي يحدث غالبًا حين يصطدم الأنا بأفكاره المغايرة لأفكار جماعته فتمارس عليه الجماعة قمعًا ما» حينها يسأل السؤال الأشد محورية «هل أنا فعلًا حُر؟»، يحب المرء دائمًا أن يجيب بنعم، ولكن حقيقةً نحن لسنا أحرارًا كما ندّعي.

هنا لا أحاول أن أزعجك بكلامي، فقط أمهلني الفرصه لأشرح، قلنا إن أكثر ما يمّيز الكائن البشري هو قدرته على التفكير والفعل.

أولًا التفكير: يكون من الصعب جدًا قمع حرية الفرد على التفكير، لكن العقل لا يفكر إطلاقًا بدون المعرفة القبلّية التي يحملها، إذ يمكن للجماعة السيطرة على أفكار الأفراد بإعطائهم المعلومات والمُسلّمات المعرفية ليحكموا قبضتهم على أي إمكانية لتفكير ذلك الفرد في المستقبل، ويصير من الصعب بإمكان أن يتحرر ذلك الفرد من مُسلّمات مجتمعة ويكون حرًا حقيقةً.

ثانيًا الفعل: يتأثر الفعل بالضرورة بتفكير الفرد، إذا أحكمت الجماعة قبضتها على تفكيره صار من الصعب بإمكان أن يتحرر فعل ذلك الفرد، كما أن الجماعة بما تمتلك من سلطة تحكم قبضتها على الموارد لتضمن خضوع فعل الفرد نظرًا لاحتياجات وجوده الأساسية من مأكل ومشرب.

ويكمُن «التساؤل» حيث توجد أي رغبة للتغير، فتغيير الواقع يبدأ دائمًا برصد ظاهرة ما وإثارة التساؤل حولها لفهم ووضع آليات للتعامل معها، وقد كان وما يزال التساؤل حول «فهم التجمع البشري وسلوكياته» داخل المجتمع هو التساؤل الأهم والأكثر محورية لفهم طبيعة هذا المجتمع، فالإنسان «من منظور نفسه» هو الظاهرة الوجودية الأهم لكنها تبقى الأصعب والأكثر تركيبًا، ذلك أن العديد من الأسئلة المتعلقة بها لم تحمل مطلقًا إجابات «دائمة» لها، وإنما إجابات متعلقة «زمنيًا» بسياق تاريخي وثقافي ما متجدد ومُتطّور بتطوّر الوعي البشري نفسه، فالحقائق حسب فهمنا والحقائق كما هي في الواقع تغير إحداهما في الأخرى.

وعن «واقعنا المعيش» يلزمنا القول هنا أنه لا يجب فقط الاشتباك مع الواقع لفهمه وتحليله استنادًا على تجربة مجتمعات أخرى فقط ولكن أيضًا يجب طرح آليات ووسائل وبدائل من داخل ثقافتنا وتراثنا وذاكرتنا «العميقة » بتعبير الدكتور فتحي المسكيني المفكر التونسي، وذلك للمشاركة في صنع تجربة حداثية فريدة ومتميزة.

الجهل دائمًا هو العدو الأقدر والأكثر قهرًا للوجود البشري، لكن أيضًا البحث وإثارة التساؤل قد لا يصل إلاّ إلى معرفة مضللة وخادعة إذا كانت تلك المعرفة غير مرتبطة بالواقع محلقة به في سماء «الميتافيزيقا» وغير مبنية على منهج فكري سليم ليغرق الواقع ليس فقط في الجهل ولكن أيضًا في «جهل يصعب جدًا التخلص منه»، لذلك يلزم الاحتكام لمنهجية العقل وربط التفكير بالواقع ليس فقط لفهمه ولكن أيضًا لتغييره.

«كيف ينشأ التعصب؟، كيف يصل الحال بجماعة بشرية ما إلى المشاركة في الإبادة الجماعية؟، كيف تتحدد اختيارات الفرد؟ ولم قد تذهب دولة ما إلى الحرب ضد دولة أخرى؟…».

كل تلك الأسئلة طرحتها ضرورة التساؤل حول واقعنا المعيش وتحدثنا في مقالة سابقة عن أسباب ودوافع السلوك مثل البنية المعرفية للفرد ومجموع أفكاره واعتقاداته وقيمه ونوع شخصيته وغير ذلك.. تمنيت لو أتمكن من سرد كل النظريات المطروحة في هذا المجال «ربما أفعل لاحقًا»، ولكن أدعوكم لذلك بقراءة «علم النفس السياسي» من كتابات دايفيد باتريك هوتون الأكاديمي البريطاني والأستاذ بجامعة وسط فلوريدا في الولايات المتّحدة، الترجمة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد