استيقظ سقراط من نومه، وقد عقد العزم على الخروج من عزلته، والنزول إلى العامة، ومخالطتهم، ومحاولة تغيير ما آلت إليه أحوالهم، والتي عرفها من أتباعه الذين ينزلون القرى، فتحدث أتباعه معه: هل ستنزل إليهم مرة أخرى؟ ألم يكف ما حدث سابقًا من شرورهم وعقليتهم المتجمدة! إنهم أناس لا يجدي معهم النصح، إنهم جفاة غلاظ القلوب والعقول! لن يجدي نصحك وحكمتك معهم؛ إنهم لا يستحقون الكلام معهم!

فيجيبهم سقراط: لو وجد أحد أولادكم غليظ القلب، وترككم وهجركم، وسمعتم أنه في كرب، فماذا أنتم فاعلون؟ فيجيبه الأتباع سنجري مسرعين له، فيقول لهم سقراط: كذلك هم، إنهم بمثابة أبنائي، وأنا أرى أنهم في حاجة إلى العون، في حاجة إلى النصح، فما فائدة الفلسفة والحكمة إن بقيت في برجها العاجي؟ الفلسفة الحقيقية هي القائمة على مخالطة العامة وتوجيههم إلى الخير والصلاح.

ونزل سقراط إلى القرية، ومر على تاجر الأرز والسكر والقمح، فلقيه ساخرًا: هل بعثت من جديد يا سقراط؟ هل ابتعثك الله لترشدنا إلى جنة الخلد؟ فيجيبه سقراط: مرحبًا بك يا أخي، لقد اشتاقت نفسي إليكم، كيف هو حالكم؟ كيف هي تجارتكم، كل شيء في أحسن حال، المال وفير، أجاب الرجل.

فيسأله سقراط :لكن علمت أن هناك نقصًا في السلع الأساسية، هناك نقص في السكر والأرز والأسعار، ويشتكي كثير من الناس من ارتفاعاها المفرط، فهي لا تثبت على حال، كل يوم سعر جديد، وياليتها متذبذبة، أي ارتفاعًا وهبوطًا، بل هي دومًا في ارتفاع مستمر، فيقول الرجل: يجب أن نربح يا سقراط، أتريدنا أن نبيع السلع بأبخس الأثمان؟ أتريدنا أن نفتقر ونمد أيادينا إلى القوم؟ أتريد أن نكون عالة على القوم؟ كفى حكمًا جوفاء يا سقراط.

فيجيبه سقراط :لم أطلب منك أن تبيع بأبخس الأثمان، كيف تنظر إلى الطبيب الذي يغالي في أجرته عندما تذهب بولدك إليه؟ هل تراه جشعًا قاسي القلب؟ بالتأكيد هو كذلك. يجيبه الرجل. كيف تراه لو كان معتدلًا في أجرته، وكان رحيمًا بك وبولدك، هل ستقول عليه أنه عطوف وستذكره بالخير، بل ستنصح الآخرين إن أصابهم مرض ما أن يذهبوا إليه؟ يسأل سقراط، فيجيبه الرجل: بالتأكيد، إذن فإنك لو عاملت الآخرين بنفس المنطق والمعاملة التي ترغب أن يعاملك بها الطبيب، سيقول القوم كلامًا طيبًا عنك، وسينصحون الآخرين بالشراء منك؛ لأنك تاجر صالح تحب الآخرين، ولا تبخس الناس أشياءهم، إن في كلامك لطلاوة وجمالًا يا سقراط، نعم أريد أن أكون هذا التاجر، أريد أن يتذكرني الناس بكل خير، أريد أن أكون نموذجًا للتاجر الطيب الذي يشعر بمعاناة الآخرين.

كانت تلك قصة افتراضية تصف الواقع الذي يعانيه الكثير منا، فعامة الأمة قد ابتليت بارتفاع الأسعار وجنونها المفرط، والكل أصبح لا يفكر إلا في نفسه، وفي كيف سيقضي يومه، ويجد قوته وقوت أولاده، هو الجنون والجشع والهوس المرضي الذي أصاب قطاعًا عريضًا من عبيد المادية الذين لا يرون إلا مصلحتهم، ولا يرون الآخرين الذين يعانون من الغلاء، ومن ارتفاع الأسعار، بل يعملون على تكديس وتخزين السلع الأساسية؛ لكي تندر في السوق فيرتفع ثمنها، ويجنوا الأرباح الوفيرة، ولا يهم بعد ذلك ما الذي يعانيه الآخر، أنه الشر المقنع في رداء المادية، لا يعلم هذا التاجر أنه كما يغالي على الآخرين؛ سيجد من يغالي عليه، سيجد السباك يرفع أجرته، سيجد سائقي الأجرة يرفعون الأجرة، الطبيب سيغالي هو الآخر، إنها حلقة متصلة بعضها ببعض.

الناس كلهم مترابطون، كلنا جسد واحد، إن أصاب جزء منه عطب أو خلل؛ أثر على باقي الأجزاء والأعضاء، فياليتنا نعلم أن هذا هو الواقع، إننا مترابطون، يجب أن يكون للرحمة مكان في قلوبنا، فمن لا يرحم لا يرحم، والكلمة الطيبة والحكمة المغلفة بالرفق، وعدم التعالي هي السبيل لفتح القلوب، التعالي والكبر المصحوب بالنصيحة هو داء، لن تجدي نصيحة يصاحبها كبر، التسامح والرفق والتواضع هو السبيل لإقناع هؤلاء الذين يكدسون الأموال ولا يشعرون بالآخرين، فالكل مطالب إن امتلك النصيحة أن يسديها برفق، فلنرحم بعضنا بعضًا، وليسامح بعضنا بعضًا، فالتسامح قوة لن يعرفها إلا من امتلكها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد