إن الخوض في السياسة بدون خلفية علمية صلبة لهو جرأة، لكن يبقى هذا الخوض فيها من باب كونها شأنا عاما، والكلام فيها بالتحليل والنقد أقل ضررا من الخوض فيها بالممارسة، والغرض من هذه الأسطر التي ستتلو ليس تسفيهَ الممارسة السياسة ولا تخوينها، ولكن محاولة إلى لفت الانتباه إلى بعض أنماط النخب السياسية التي تعمل من حيث تدري أو لا تدري على إضعاف هذه المؤسسة وإفشالها، فدفعتني التجربة البسيطة والملاحظات المتكررة على من تجرؤوا – وهُم كثر – على ممارستها بدون توفرهِم على أدنى شروط وأدوات الكفاءة السياسية مدفوعين فقط بالاستعداد النفسي، وغالبا تُحركهم النفعية، مستغلين غياب الوعي خصوصا فيما يتعلق بقيم النهوض ومبادئ الإنجاز وانشغال المجتمع بتحقيق أبسط أساسيات وجوده ولو كان ذلك على حساب حريته وكرامته واستعداده للقبول بالدجالين سواء كانوا ملتحين أو منتوفين حتى صار الكل يريد فقط أن يأكل.

إن هذا العبث إن صح التعبير الذي تعيشه الحياة السياسية بالمغرب وحالة الغموض والخوف والسرية التي تطبعها وابتعادها عن نبض الشارع وهموم الناس كان ولا يزال يجر عليها انتقادات واسعة ناهيك عن حالة اليأس التي (مَوقَفت) المغاربة منها سلبا وخاصة الشباب، الحاضر فقط في خطابات السياسيين.

في روايته «كبش فداء سقراطي» يقول الكاتب «هشام الحداد» على لسان شخصية «الأستاذ المربي» واصفا حال السياسة المغربية ودكاكينها بأنها «تفتقر إلى من يصلح حالها ويأخذ بيدها، لا إلى من يقع في غرامها ويسعى الى الزواج منها على وجه التأبيد، حتى إذا أصرّت على فجورها وطغواها تعسّر فراقها وطلاقها.. فأما الذي يريد لملمة جراحها فهو ذاك الذي يعطي ولا يأخذ، بما وُهب من يقين أنها محلّ معالجة وإصلاح وليس منزل مغنم وأرباح» إن هذا التعبير في نظري تجاوز الكلام الذي عهدناه عن حال السياسة وأحزابها المؤسف وتجاوز بعض العبارات والاختصارات الشهيرة للكتاب والفلاسفة والمفكرين الذين انتقدوا السياسة ومُرِيديها بشكل عام، وانتقل بنا ليقتحم الغموض الذي يطبع صورة الأحزاب السياسية بالمغرب خصوصا، وهي الصورة التي لا يعرفها بدقة إلا من عايش صراعاتها وتردد على حيطان مقراتها التي تريد أن تنقض.

الرواية هي باختصار رسالة تربوية ليست السياسة هي فكرتها الجوهرية ولكن جاء التعرض لها في سياق نقض الأنماط المحتقرة للإنسان تشييئا وتسليعا، والبداية كانت من هنا.

«‏ما دُمت تريد العناء والاطلاع عن قرب على قانون الغاب وكيف يستمتع المتسلط بأكل لحم البشر ونقض العهود.. لِجْ غابتك هنا أوّلا، ففيها ما يكفي لمثل هذه المشاهد.. وعلى الأقل لن تكون متفرجا على عالم الغريزة.. لكن فاعلا أو مفعولا به».

‏كانت هذه نصيحة الاستاذ المربي‏‏ للشاب «محبوب» الذي ‏يريد أن ينفلت من عالمه حيث عقل الحرية والاختيار الذي يبدو أنه فشل في صيانة فطرة الإنسان، قاصدا عالم الغاب الذي أصبحت قِيمهُ تتفوق على قيم الإنسان يوما بعد يوم، ‏رحلة قرر بدءها عندما علم بخبر ميلاده كلقيط مجهول النسب، فأصبح يتقزز من كل مشهد داعر يذكره بالفعل الذي صنع تعاسته التي يعيشها، صدمة أشعلت الرغبة في الانتقام سرعان ما تحولت إلى بحث عن المعنى وقرار برحلة إلى الخلوة، عله يستطيع أن يرى الفطرة السليمة والقيم النبيلة تحت ضوء الأسئلة التي سيجد القارئ نفسه طرفا فيها. مواقف مختلفة و أسئلة كثيرة محرجة وجهت لشخصيات الرواية وأخرى مفتوحة عن المدرسة والمنظومة الصحية والقيم والجماعات السياسية.

وفي رحلة السؤال هاته كان لا بد من الاشتباك مع السياسة كاستفهام عن موقعها؟ وهنا كان النقاش الذي شدني بين «محبوب» و«الأستاذ المربي» -وأستعير هذه الجملة لوصفه – نقاش يتميز برؤية فوقية ولكنها ليست متعالية؛ لأنها ما ارتفعت إلا لتعاود النزول بنفس جديد وبروح وثابة للبحث عن الإنسان في متاهات الذات التي أضحت بدون هوية» ولأنني اشتبكت مع السياسة كأي إنسان لن ينفلت من هذه المواجهة لأنه يتعرض لها يوميا ولو بالنقاشات البسيطة في برلمانات المقاهي، كانت حوانيت السياسة في الرواية ملفتة وكان وصف التفاصيل يجعلني أغير وضعية جلوسي وأنا أقرأها، فَالأسئلة المطروحة عميقة والأجوبة جريئة (مَوْضَعَتْ) السياسة في موقعها الأصلي وقدمت طرحًا جديدًا حاول من خلاله الكاتب تعديل اعوجاج بِروز صورة الكائن السياسي على حائط المشهد المغربي.

إن دخول «محبوب» غابة السياسة مديرًا لمقر أحد الأحزاب عملا بنصيحة الأستاذ كانت اكتشافًا جديدًا بالنسبة له وحتى بالنسبة للقارئ الذي سيعيشها بالوكالة من «محبوب»، حيث إنها أقرب نظرة لمعرفة الوجه الآخر للإنسان عندما يلج تجربة قد تنتهي بوهم الحظوة والسلطة. وأسهل طريقة لمعرفة كيف يفكر رجل السياسة المغربي وما هي دوافعه وأهدافه، ‏فبدا له أن قبح المشهد السياسي المغربي ما هو إلا انعكاس للنماذج التي تقود وتعمل داخل هذه الحوانيت، فقد أضحت مجمعا للمُخبرين والنمامين النهاشين لأعراض بعضهم البعض في سبيل المنصب. مقرات يسكنها الغبار وتعشش فيها نظريات المؤامرة، فاجتماعاتهم (الموسمية) ليست سوى حلبة مصارعة تستعمل فيها الحجج أحيانا لكن أغلب المنطق هو منطق الضربات تحت الحزام والخروج عن حدود اللياقة والأدب «وكلما اقتربت من العرين ازدادت الأوضاع شراسة.. حتى الأطهار لم يسلموا من فتنتها» يقول الأستاذ، حتى حق يقين البعض منهم ‏أن هذه هي السياسة هكذا طبعها عصية على التخلق، ولا يزالون على هذا الحال والمواطن ينتظر على أمل أن يفي رجال السياسية يوما بوعودهم، لكن رجال هذه المهنة اختلطت عليهم المفاهيم والأوراق وغرقوا في وهم أنهم ثمرة الثمار، في حين أن حالهم كحال مدن الصفيح أو أسوأ فعلى الأقل مدن الصفيح سكانها يعمرونها طول السنة.

«هل يمكن لأي جهد كيفما كان معرفيا أو سياسيا أو اقتصاديا لا يصب في ارتقاء معنى الإنسان أن يُوسَمَ بالنفْع؟!» يتساءل «محبوب»، فالدستور المغربي يحدد وظيفة الأحزاب في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم سياسيا…، لكن الأحزاب المغربية تشن قطيعة على وظيفتها، لم تسجل أي انخراط حقيقي في حركة الوعي للارتقاء بالسلوك الجماعي إضافة إلى عجزها عن تكوين وإفراز نخب سياسية مؤهلة تساهم في حركة المجتمع وتدبير شؤونه.

إن هذا الحال انعكس حتى على خطاباتهم التي تتحرش بالعواطف أكثر من مخاطبتها للعقول، فالخطاب السياسي الذي يُفترض أن تتميز مادته اللفظية بالاقتصاد مقابل اتساع المعنى الدلالي لتلك الألفاظ وغناها بالأفكار المؤثرة والمقنعة وغيرها من خصائص الخطاب السياسي، نجد خطابات هؤلاء –إن خطبوا- لا يمكن تمييزه أي نوع من الخطابات هو، لكن الأكيد أنه يشبه تماما الخطابات السابقة التي تدعو المواطن إلى المزيد من الصبر.

يشبه علماء الاجتماع النظام الاجتماعي بجلد الحية، فبعد كل مدة معينة تقوم بتبديله كي لا يتعفن، وقد آن أوان تغير وإعادة ترتيب الأوراق والأدوار وتسليم القيادة لرجالاتها الحقيقيين، فمصيبتنا اليوم كما توحي الرواية تكمن في القيم، ورجال السياسة قد غرقوا في المستنقع وضاقت بهم الحيل إلا بما يوصلهم للكرسي ويزيد الشحم في بطونهم، والحل؟ ما زال «محبوب» يتساءل ويجيب الأستاذ؛ بـأن السياسة فرع لا أصل، تساهم ولا تقود، ولأن الإنسان هو محور العملية السياسية، فالتربية والتعليم أساس بناء الإنسان، نربي قبل أن نسوس، نجتهد أولا في خدمة اليقظة الأخلاقية والفكرية للإنسان حتى إذا ما استلم سلطة ناضل من أجل تجويد فن الممكن متعففًا ومترفعًا من أن يقع في التضبع، خائنا عدوا لله وللوطن.

«السياسة في العمق يجب أن ترتبط بالضمير الحي، والضمير يحكمه العقل الجمعي أكثر مما تضبطه المساطر والقوانين، والعقل الجمعي لا يولد دون حركة تزكوية حقيقية تبدع في تهذيب قيم الإنسان بالتربية والثقافة، السياسة باختصار لا يمكنها أن تقود تجربة نهضوية في مجتمع لا يعرف مبادئ النهوض ولا قيم الإنجاز، والديمقراطية بدون وعي جمعي مقبول تبقى مجرد حلم عصي على التحقق، فليست الأحزاب هي التي تصنع الديموقراطية، بل ربما العكس هي التي قد تنقض أساسها وآلياتها في بيئة مريضة بالجهل… ولكن الوعي الجمعي هو الذي يردع المستبدين -وما أكثرهم- عن تحكمهم ويحجم الكذابين عن المجموعة التي تنصت إليهم، فالمشكلة في غالبية الجمهور التي لديها استعداد لقبول الاستبداد والفساد ولديها قابلية الإنصات إلى الكذب»، الأستاذ المربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد