– «ياريت تخلّص الموضوع بسرعة علشان نلحق الترند».
– «لو كان الموضوع اتنشر من 3 أيام كان لحق الترند، دلوقتي مش هينفع يتنشر».
– «الموضوع محقق ترافيك رائع جدًا ومن أكتر الموضوعات قراءة».

إذا كنت فردًا بإحدى مجموعات العمل التابعة لإحدى منصات الكتابة فقد تكون مثل هذه الرسائل مرت أمامك، أو قد تكون أنت مرسلها، وهي إحدى الرسائل الإدارية العديدة التي تتكاثر على المنصات كلما تكاثرت «الترندات»، وغالبًا ما يتبعها تهليل، وتطبيل، وصراع على المقال الأعلى قراءة، والمتابعة الأسرع «للترند» والترتيب في «التوب ستوري» ومعدل «الترافيك»، وغير ذلك مما فرضته الكتابة الحديثة من اللهث وراء السخافات والحماقات التي لا تزيد صاحبها إلا مكسبًا زائفًا يتوارى بمرور اللحظات؛ لأنه لا يصمد أيامًا؛ ففي اليوم الجديد «ترند» جديد، وسخافة جديدة، ولهث جديد، ومكسب زائف زائل للكاتب والموقع على حد سواء.

وفي هذه «الترندات»، يصير الجدال – كالمعتاد – صراعًا بين الإيمان والإلحاد، بين الحرية والإكراه، بين التدين المظهري والجوهري، بين الحق والباطل، بين الإخوان و«السيساوية»، بين الهري والهري الآخر، بين اللاشيء واللاشيء الآخر. وحزني يكون عظيمًا عندما أجد المنصات والكتّاب ضمن هذا «الخلاط الجدلي» يتصارعون ويبحثون ويتابعون ويفرحون وهم مهووسون بأنهم كانوا «نمبر وان».

قد تُغضب كلماتي زملاء وكتابًا كرامًا أعزاء، وقد يرى فيّ البعض «محمود فوتوكوبي» الخائف من انقراض الديناصورات؛ لأني أهاجم أحد مصادر وأدوات الصحافة والكتابة الحديثة – هكذا يسمونها – أو أنني غير مواكب «للتطور الطبيعي للحاجة الساقعة»، وأعيش بأسلوب كاتب قديم.

أنا أتفق معهم تمامًا، ولست مدعيًا للعقل والحق، ولا أملك الحقيقة، لكن متابعاتي لفقاعات «الترندات» اليومية تصيبني بالغثيان والاشمئزاز، حيث أصبحت الكتابة مجرد تابع للحدث الذي يجرها إلى أسفل سافلين بعدما كانت – لعهد قريب – دافعًا للحدث أو موضحًا أو داعمًا أو مؤججًا.

لقد سعدت – كغيري – بالمنصات الكتابية التي كثرت، وأبرزت وأفرزت عددًا من الكتاب الرائعين في مختلف مجالات ونوعيات الكتابة، لكن ما آل إليه حال هذه المنصات من اللغو واللغط والرث والغث صار بغيضًا، ونحا بها عن جوهرها، وهو التعبير والتحليل، حتى صارت أبواقًا تتشابه في الأصوات والعناوين والمتون، دون أن تجد بينها مميزًا أو متميزًا.

أعرف أنني أتحامل قليلًا، وأتفق معك في أن الأمر قد لا يكون وصل إلى هذه الدرجة من السوء، ولن أرد على ذلك بالمقولة الشهيرة أن لكل نهاية بداية، وما أسوقه هو بداية النهاية.

لا، لن أقول ذلك، بل اعتبرها يا زميلي الكاتب ويا عزيزي القارئ مجرد إضاءة بسيطة في جانب مظلم تريد أن تخبرك أنك في ظلام قد لا تشعر به، أو أن عينيك اعتادت على هذا الضوء الخافت، فلم تعد تدرك أن هناك ضوء أوضح، فالكتابة رحابة بلا حدود، هي إبداع لا اتّباع، هي التي تَصنع ولا تُصنع، الكتابة هي التاريخ والمستقبل الذي يحاول هذا «الترند» أن يمحوهم؛ لتظل تتابع، وتتابع، وتتابع، وفي أثناء المتابعة تنسى ما يجب أن تتذكره؛ لكي تركض وراء «الترند»، وتُرجئ ما يجب أن تفعله؛ لكي تتفرغ «للترند»، لا تذكر فلسطين والاحتلال حتى يأتيك «ترند» عن عهد التميمي مرة أخرى، وتنسى التغيير والثورة حتى يأتي يوم ذكراها أو تجد «ترند» لأحد الإعلاميين يهاجمهما.

أما بعد

«الترند» لم ولن يصنع ثقافة، ولن تصبح كاتبًا ذا قيمة إذا كنت متابعًا «للترندات» باستمرار بل قد تنسى الكتابة والفهم والتحليل والتوثيق؛ لأن «الترند» لا يحتاج إلى ذلك، إنما أدواته هي السرعة دون تحليل أو فهم، والنقل دون تحسين أو تدقيق، والتلاعب دون تأكيد أو توثيق، هو صناعة التابع وأصحاب «الشير»، ولا يهدف إلا للتجديد الوهمي دون أي إفادة أو استفادة، تمامًا مثلما يحدث عند صب كوب من «الحاجة الساقعة»، فعند فتح الزجاجة للمرة الأولى تسمع أصوات هواء مضغوط، وترى الفقاقيع تتصاعد وتطرقع أمام عينيك، ثم ما تلبث أن تهدأ لتبتلعها وتنفخ بطنك بها؛ لكي تهضم الطعام، لكنها لا تبقى، ولا تسمن ولا تغني من عطش.

كذلك «الترند»، فهو – ببساطة – أن تكتب عن التفاهات، ومهما كان موضوعك قيّمًا فلن تجد له صدى إلا إذا كان موافقًا لأحد «الترندات».
ما أكثر «الترندات» ولكنها غثاء كغثاء المياه الغازية، ينشرها كُتّاب أُجبروا أن يكونوا كغثاء السيل.

اتقوا الله في «ترنداتكم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد