لم تعد القوة هي الصورة التي يظهر فيها الجنود وهم يحملون العتاد والأسلحة والجرارت لقلع الثمار والاستيلاء على ثروات البلاد ونهب الخيرات وفقد الجنود والأفراد من أجل السيطرة على دولة ما، هذه الصورة التقليدية البائدة وإن كانت ما زالت تتكرر ولكن تأثيرها لا بد له أنه جاء بعد إقناع العالم عن طريق القوة الناعمة الرقيقة الكف التي لا تبطش ولا تقتل ولا تكسر، بل تأخذك برفق وتضعك داخل حضّانة فكرية تغذيك بالمعلومات وتمدك بالعناية والجمال والحق والعدل والخير والحداثة والسعادة والصخب فتخرج منك طفلًا لا يستطيع سوي العيش والنمو داخل الحضّانة.. وفقط.

 

القوة الناعمة وقوة المغناطيس

تشبه القوة الناعمة إلى حد كبير قوة المغناطيس الذي يجذب كل ما وقع في محيطه بطريقة فيها من السلاسة والهدوء والرقة ما تجعلك تنجذب وأنت مسرور بها، ففي كتاب القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية الذي قام بتأليفه جوزيف ناي الذي كان مساعدًا لوزير الدفاع في حكومة بيل كلينتون عرف مفهوم القوة الناعمة بأنه “القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال”، وموارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته إذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية، وقيمه السياسية عندما يطبقها بإخلاص داخليًّا وخارجيًّا، إضافة إلى السياسة الخارجية. يؤكد جوزيف ناي أن القوة الناعمة لا يمكن اختزالها في الثقافة فقط، ويضرب مجموعة من الأمثلة على ذلك منها: أن الكوكاكولا وشطائر ماكدونالد الكبيرة لن تجتذب بالضرورة الناس في العالم الإسلامي حتى يحبوا أمريكا، كما أن ديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ إيل يحب البيتزا وأشرطة الفيديو الأمريكية ومع ذلك لم تثنه هذه الأمور عن الاستمرار في طموحه النووي، والأجبان والمشروبات الفرنسية الممتازة لا تضمن الانجذاب إلى فرنسا، ولا تضمن ألعاب البوكيمون لليابان النتائج السياسية التي تتمناها.

 

رصاصة بلا ألم

كما يؤكد الكاتب أن بعض الدول الصغيرة أصبحت ذات تأثير كبير ومنها قطر التي تعتبر الجزيرة حسب الكاتب مصدر قوتها الناعمة، حيث عرضت القناة خلال الحرب الأمريكية ضد العراق صورًا لضحايا مدنيين استفزت مشاعر الناس وأصبح الكثير منهم متعاطفًا مع القاعدة التي ارتفعت شعبيتها في بعض الدول مثل إندونيسيا والأردن.

يؤكد الكاتب أن مصدر قوة أمريكا ليس هو الجيش فقط، وإنما مجموعة من الدواعم لهذه القوة فعلى سبيل المثال تجتذب الولايات المتحدة أكبر نسبة للمهاجرين، والطلبة الدارسون منهم سيحملون الكثير من القيم والمبادئ الأمريكية، ويمكن أن يكونوا سفراء للثقافة الأمريكية ويحتلون في دولهم مراكز القرار، كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الفوز بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، ومبيعاتها من المؤلفات الموسيقية تشكل الضعف مقارنة مع اليابان التي تحتل المرتبة الثانية، وتعتبر أمريكا أكبر مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم، رغم أن بوليوود الهندية تنتج أفلامًا أكثر منها في كل عام.

يوضح الكاتب أن حسم الصراعات بالقوة العسكرية لوحدها أصبح أمرًا من الماضي خاصة وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقًا كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، ويدعو إلى اعتماد إستراتيجية القوة الناعمة لضمان حلفاء ليس من الحكام فقط، بل من شعوب المناطق التي تريد أمريكا فرض سيطرتها عليها بشكل ما.

 

سقوط تفاحة القيم بفعل جاذبية القوة الناعمة

ماذا تنتظر من شجرة أثمرت وأينعت وتوقفت عن الإثمار ثم سقطت ثمارها واحدة تلو الأخرى، ولم يتبق سوى أغصان ملتفة منكمشه في ضعف مع جذور ممتدة أسفل الأرض.

فهكذا أصبح حالنا، كيف سقط التفاح واحدة تلو الأخرى، كيف أصبح القتل مباحًا لأنه حماية للأبرياء بقتل الأبرياء أيضًا، أين الهوية لوطن عربي مشتت تطاول في البنيان المعماري وتتضاءل في البنيان البشري، وماذا عن قضيتنا.. ماذا عن القدس؟

الحرب ليست على الدين بل على الأرض، بهذا المعنى تحدث أحد كبار الكتاب والذين تعد رواياتهم من الكتب الأكثر مبيعًا في المكتبات، من يصيغ أفكار هذا الأمة ومن يشكل الجهل ليصبح جهالات وظلمات بعضها فوق بعض.

 

فهل إلى مرد من سبيل؟

لقد تغلغت أفكار من الغرب إلى أفكار من الشرق ممزوجة بالطمس وقليل من الجهل، مع حالة من الغياب لتنتج لنا منتجًا مشوهًا لمواطن عربي يحمل ذاكرة السمكة لا يذكر الكثير عن ماضيه، ولا يعرف مصير مستقبله، ولكنه يحتفل بالكرسيماس وينتظر يوم الجمعة الأسود ويتسوق في المولات ويرتدي الماركات ويحمل بين جنبيه الشتات.

أهو هنا أم هو هناك.. هو مجذوب بقوة لا يلحظها لكن يتحرك بناءً عليها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد