أولا لا بد من تقديم اعتذار للشيطان فليس هو المعني بكلامنا، ولكن المعني هو من فاق بخبثه أخبث الشياطين وتجاوز بفساده أكثرها إيغالا في الشر، فالشيطان وبكل ما ينسب إليه من أعمال البشر الشيطانية ليس له من قوة ولا سلطان على الناس سوى أن يوسوس لهم، وهذا ما يقوله لهم يوم القيامة حين يتبرأ من أفعال أتباعه: «وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم» (إبراهيم 22) بينما المعني بكلامنا هو من له السلطة على العباد والرقاب، على المال وعلى مقدرات حياة الناس والشباب، على مستقبل الأجيال، يأمر وينهى ويقتل ويسجن، ولن نخوض في جدل عقدي ونقول هو مجرد سبب والحكم والأمر لله في كل هذا، فهذا خارج نطاق كلامنا وإن كان أحد ما يروج به المرجئون كلامهم ويستخدمه الطغيان في تثبيت أركانه وسنشير إليه في الكلام لاحقا.

كأي بنيان له أركان إذا أردت تشييده أقمتها، وإذا أردت نقضه هدمتها وأزلتها فأسقطته وأسقطتها يكون بنيان الطغيان، هكذا هو وهذا كل ما في الأمر وبكل بساطة منذ ذلك الزمن الأغبر إلى اليوم، يبني الطغيان بنيانه بحبل من الناس من جنود وعسكر وعسس وحبل من المال أهم ما يوظفه في الإعلام وحبل كاذب من السماء يفتله ويحبكه أصحاب العمائم وبائعو صكوك الغفران وملاك سجلات جهنم، كما يبنيه من ذلك الميزان المختل ومن أولئك المطففين الذين إذا اكتالوا للسلطان يستوفون بل ويزيدون، وإذا كالوا على الناس يخسرون ويظلمون ويعدمون ويسجنون: كل ذلك حتى يكون بنياهم أشبه ببيت العنكبوت خيوطه أقوى من مثيلتها من الفولاذ من ثلاث إلى خمس مرات لكن في حقيقة الأمر هو واهن، والوهن ليس في المواد لكن في الرابط الاجتماعي الذي يربطها وقوته فيما يخاله الناس عنه وفيما يتخيلونه وينسجون تصورهم عنه وسنحاول فيما يلي الإشارة قليلا إلى بنيانه وأركانه وبمعرفتها نعرف أين يكمن الداء، وبالتالي أين يكمن الدواء وكيف السبيل إلى الخلاص.

 

وراء كل طاغية عمامة

الدين محرك الشعوب وباعثها على النهضة واليقظة؛ لأنه بصفته المدد السماوي والكتالوج الرباني إن صحت العبارة يريهم ويهديهم إلى الوظيفة التي خلقوا من أجلها، وكأي آلة لا يعرف إلا صانعها كيفية تشغيلها وهو إن أراد تسويقها أو بيعها أعطى معها ذلك الدليل المرشد ليمكن لغيره أن يستعملها، فكذلك نحن البشر لا نملك هداية لأنفسنا إلا بذلك الدليل الذي جاءت به الرسل عن رب العالمين لنعرف من نحن وإلى أين نسير وكيف نسير هذا الأصل لكن قد يحدث العكس تماما مما سبق قوله إن وقع في اليد الخطأ، فقد يكون الدين كما كان محركًا قد يكون أفيونًا ومخدرًا حاله مثل حال الطبيب الذي سلم له المريض نفسه ثقة في طبه وتسليمًا بعلمه، فما يكون معه إلا كما يكون الميت بين مغسله وحين يكون الطبيب خائنًا لهذا التسليم ولهذه الأمانة، فكبر على المريض تكبيرًا وهذا حالنا بوصفنا مسلمين عمومًا، نحن متدينون وكما نسلم رؤوسنا للحلاق نسلم عقولنا لأئمتنا وعلمائنا، ومن أهم أطولنا لحية وأقصرنا ثوبًا هؤلاء الذين يقولون لك اطع لمن ركب ظهرك وسرق بيتك وانتهك عرضك وأخذ مالك وصادر مستقبلك بل وتقرب إلى الله بذلك! والله والدين والرسول من كلامهم براء وإن ساقوا الآيات والأحاديث لكن ليًّا كما تلوى أعناق الإبل وإخراجًا لها عن سياقها ومساقها، هؤلاء من جنوا على أمتنا أكثر مما جنى أعداؤها عليها وكان أول ما ثار الأوربيون ونهضوا ضدهم حينما أرادوا التغيير وكان شعارهم في ذلك «لن نتوقف حتى نشق أول ملك بأمعاء آخر قسيس» وقد فهم ووعى عراب الملوك ومنظر الحكام نيكولو مكيافيلي هذا الأمر فقال: «إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس. كان المواطن الروماني يخشى حنث اليمين أكثر من القوانين، لأنه يهاب أولئك الذين يمثلون سلطات الرب أكثر من الرجال». وحتى لا نتهم بشيء أقول إن أصحاب العمائم من علماء البلاط ومحللي الحرام ومحرم الحلال ليسوا ظاهرة عامة وبلاء منتشر وليس الأصل أن يكون كل إنسان إمام نفسه وعالمها ومفتيها لكن كما يراعي نفسه عند الذهاب إلى الطبيب بالبحث والسؤال عن مدى إتقانه وعلمه وطبه وعن الحلاق عن مهارته وإتقانه فعليه أن يعرف من يسلم له عقله وحلاله وحرامه وفعله وقوله، وننقل هنا قول:

حق القوة وليس قوة الحق

«إذا أردت أن تحكم فعليك أن تجعل من طاعتك هي الواجب وقوتك هي الحق» هكذا يقول روسو في كتابه العقد الاجتماعي، ولكل من لم يدرس الحقوق والقانون أو ما جاورهما، فإن نظرية الحق هي أهم ما يدرسونه مدخلًا لعلم القانون، لكن ليست هي ما سأعنيه بكلامي لكن سأعني به ذلك القانون والشرع الذي يختص به المستبد لنفسه من حق الامتلاك والانتفاع بالبلاد والعباد ويتحكم فيه بالرقاب بالثواب بالعقاب، لا لشيء إلا أن القوة بيده متمثلة في الجيش أو في الشرطة والمخابرات وكل تلك التشكيلات التي تبدأ بنحن في خدمة الشعب وما تقصد حقيقة إلا قول الممثلين في مسرحية الزعيم: «أنت الشعب والشعب أنت» قاصدين به الزعيم، وتأتي نظرية المتغلب لتؤسس لحق القوة، وتجعله المنطق الأعلى صوتًا والأصدق كلمة، فلا يهم أن يكون عشرة من الناس ضدك إذا كان العاشر الذي يحمل السلاح معك مثلما يقول مكيافيلي في نصائحه للملوك والحكام وقد أصاب في ذلك، وها هو التاريخ أمامنا وما تجد فيه من أمة خائنة خانعة إلا وجدتها تدين بهذا الدين، وما حادثة كربلاء ومقتل الحسين بخافية عنا وقد قالها الفرزدق ناصحًا للحسين رضي الله عنه إن صحت الرواية: «إن قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية» وما تنفع قلوبهم وقد تجادلت مع أحدهم يوم وفاة أحد رجال هذه الأمة، وقد كان حشد الجنازة مهيبًا كبيرًا، فقال منبهرًا: انظر لهذا التكريم وإلى هؤلاء الناس، فقلت له في استهزاء وحزن في ذات الوقت ما نفع هؤلاء إن كانوا لا يكثرون ولا يظهرون إلا عند الموت، ولو احتشد عشر معشارهم معه في حياته لكانوا فكوا رقبته من المشنقة، وقد كان أعلن عن العزم على إعدامه قبل ذلك بوقت. وصدق ذلك المؤرخ البريطاني حين قال أنه تعلم من العرب يوم سؤددهم ورفعتم القول القائل: إذا لم تقدك إلا القوة فاعلم أنك دابة لها رسن، وهذا حالنا اليوم حين لا نقاد إلا بالقوة وحال من يقودنا إلا بها والهراوة في يمينه والحشيش والأعلاف في يساره والعمامة فوق رأسه والرونجاس (البيادة على قول إخوتنا في المشرق) تحت قدمه.

إن الأمة التي لا يشعر أغلبها بآلام الاستبداد أمة لا تستحق الحرية، بل لا تستحق الحياة ومصيرها إلى هامش التاريخ وأسفل الأمم إن هي لم تنتفض وتتحرك وتفهم قبل أن تعمل وتعمل قبل أن تنقد وتنقد قبل أن تعقد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد