كعادته.. يُقدم لنا الكاتب المصري المعروف «حجاج أدُّول» عملًا أدبيًا متماسكًا متفردًا في عوالمه وحكايات أبطاله الذين يتنقل بهم في أماكن مختلفة شديدة الجفاف والقسوة، ربما تكون مناسبةً لقصصهم التي تُجبرك على التعاطف معهم أحيانًا، والإدانة في أحايين أخرى.

هنا.. وعبر مجموعته القصصية «بكَّات الدم» نتجول في أجواءٍ مختلفةٍ عبر «13» قصةً قصيرةً، أبرزها تلك المجموعة الأولى التي تنتمي لـ«أدب الحرب» وهي: «شالوم.. هئ»، «كابوس التمساح وبرج السواد»، «الموت كلبًا»، «يوم بكيتك يا فاروق»، وهي القصص التي تُمثل مساحتها نصف عدد صفحات المجموعة تقريبًا، ولا تفلت أحداث تلك الحكايات من خبراتٍ وذكرياتٍ قد يكون عاشها الكاتب المعروف «حجاج أدُّول» الذي قضى سبع سنوات خدمة في الجيش المصري، وشارك في حربي الاستنزاف والعبور.

القصة الأولى في تلك المجموعة «شالوم.. هئ» يُمكن اعتبارها واحدةً من أجمل قصص أدب الحرب التي قرأتها، فعلى مدار ما يقرب من «ست» صفحاتٍ تمثل مساحة القصة، يرصد الكاتب ملامح شديدة القسوة للجنود المصريين، ولحالات الصدمة التي يعيشونها بعد هزيمة «67» واصفًا مشهد هروب جنود «الكتيبة ك» إلى صحراء سيناء بعد أن سحق اليهود نصف القوة العسكرية لها، ثم تعرض هؤلاء الجنود الفارين للأسر والتنكيل قبل قتل بعضهم، وترك آخرين.

وعبر بطل القصة «عبد الجواد» تسير الأحداث؛ فهو يتعرض لضربةٍ قويةٍ كادت تحطم «خصيتيه» تلك الضربة التي تصير «كابوسا» يطارده طوال حياته؛ رغم زواجه وإنجابه.

بلغةٍ قويةٍ، ووصف أكثر من رائع، ينجح الأديب حجاج أدُول في التنقل عبر الزمن والمكان في تلك القصة القصيرة، نقلات سريعة مدروسة، مسترجعًا تركز الكتيبة في «صحراء أبي زعبل» في يونيو (حزيران) 67 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 73، ثم الانتقال إلى قرية «عبد الجواد» التي تتعرض للقصف، وبعد الانتصار يُسرح بطل القصة من الجيش، ويعود لقريته، يتزوج، ولكن يطارده كابوس «ضربة خصيتيه» من اليهودي القوي أثناء الهرب في الصحراء.

هكذا تمضى بقية قصص المجموعة التي تقدم لنا جانبًا من حياة الجنود وحديثهم في الحرب؛ ممتزجةً بجزءٍ من الفكاهة كما في قصة «كابوس التمساح وبرج السواد» حيث الجنود المشغولون بمهمة قتل تمساح يظهر في بحيرة بجانب القناة ويطاردهم أحيانًا، وكأنه صورة أخرى من العدو الذي يحاربه هؤلاء، وفي قصة «الموت كلبًا» صاغ «أدوُّل» أحداثها على هيئة يومياتٍ لجندي ينتمي لسلاح المدفعية، ويقضي سبعة أيام في نقطة مراقبة تقع على تلٍ، لمراقبة تحركات العدو، وتنبيه كتيبته، وتوجيه ضرباتها نحو هذا العدو.

من القصص الأخرى التي تتماس مع أدب الحرب «يوم بكيتك يا فاروق»، هنا نجد العلاقة بين صديقين؛ بطل القصة الأساسي استشهد بعد أن شاهده اليهود يدوس علمهم ذي النجمة السداسية، ويسرد قصته زميله الذي رافقه لحظات الخدمة، والاستشهاد في قصة لا تصل صفحاتها إلى ثلاث، ولكنها تقدم وجبةً دسمةً عن الصداقة، الوفاء، والظلم أحيانًا.

بقية قصص المجموعة نعيش معها في أجواءٍ مختلفةٍ بين الواقعية القاسية، والفانتازيا أحيانًا، أو حتى الرمزية كما في قصة «المرآة» التي يرصد لنا من خلالها الكاتب مشهد التصاق كلبين؛ ذكر وأنثى، ومطاردتهما في الشارع من قبل الأطفال وسائقي السيارات، وفي قصة «الخرس» يقدم لنا حكاية قرية يصيب الخرس أهلها، وتفشل كل أنواع الأدوية في شفاء هؤلاء السكان.

يُشبه بطل قصة «مهانة شارد الذهن» الشخصية الرئيسية في قصة «الحب فوق هضبة الهرم» للأديب المصري الحاصل على جائزة نوبل نجيب محفوظ، والتي جرى تحويلها فيلمًا سينمائيًا حمل الاسم ذاته من بطولة الفنان المصري الشهير أحمد زكي والفنانة المعتزلة آثار الحكيم.

هنا يعيش البطل ظروفًا نفسية واقتصادية وعاطفية تمثل إدانةً للمجتمع؛ الفقر الذي يقف حائلًا بينه والزواج؛ ليصاب بما يشبه المرض.. و«الشرود» في كل وجه وجسم كل سيدة جميلة يراها؛ في العمل، الشارع، وسائل المواصلات.

الصراعات والبحث عن سُبل للبقاء في الحياة والخيانات هي تلك الأجواء التي نعيشها في قصة «بكّات الدم» التي اختارها الكاتب لتكون اسمًا لمجموعته القصصية الأكثر من جميلة؛ تدور الأحداث في الغابة في أجواء الحياة البدائية؛ حيث الحياة في الكهوف، واصطياد الفرائس لالتهامها، وممارسة العلاقات الحميمية بعدها، ثم طوفان يغير كل تلك الأحداث.

شملت المجموعة قصصا أخرى قصيرة جدًا مثل: «نشرة جوية»، «تقازم»، «شارة الحداد»، «الهرم المقلوب»، «رقصة الذبيح».

إضاءة

مجموعة «بكَات الدم» تقع في 75 صفحةً، وهي صادرة عن دار الحضارة للنشر، الطبعة الأولى يونيو 2009، وهي تمثل العمل الأدبي الرابع في مسيرة الكاتب حجاج أدُّول الذي بدأ الكتابة في سن الأربعين، وقد نُشر أغلب هذه القصص في دورياتٍ ومجلاتٍ ثقافيةٍ قبل أن تضمها هذه المجموعة.

ولد «أدُّول» في 1944، وعمل في السد العالي فترةً، وقدم للمكتبة العربية عددًا كبيرًا من الروايات والمجموعات القصصية التي تُرجم بعضها، ومنها: «النوبة تتنفس تحت الماء»، «ليالي المسك العتيقة»، «ناس النهر»، «غزلية القمـر»، «أحضان القنافذ»، «الشاي المر»، «معتوق الخير»، «ثلاث برتقالات مملوكية»، «كديسة» «تسابيح نيلية»، «خالي جاءه المخاض»، وأعمال أخرى:

حصل «أدُّول» على جائزة الدولة التشجيعية عام 1990 فرع القصة القصيرة عن مجموعة «ليالي المسك العتيقة»، وحصل على جائزة ساويرس للأدب عام 2005 في الرواية والقصة القصيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد