مِنْ روح الله الخميني مرشد الثوار الإيرانيين، والبديل الطامح لِيحل مَحَل شاه إيران إِلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر: «سترون أنه لا يوجد عداء خاص بيننا وبين أمريكا، وسترون أن الجمهورية الإسلامية المبنية على الفلسفة والقوانين الإسلامية، لن تكون إلا حكومةً إنسانيةً؛ تسعى للسلام ومساعدة البشرية»

من هذه الجمل الصغيرة عددًا، الكبيرة هدفًا، نَنْسُج عَبر آلة المخيط ثوبين بِلونين مختلفين؛ ثوب لونه رمادي وثوب لونه أحمر.

فالثوب الرمادي هو الثوب الذي لا يسر الناظرين، وهكذا إيران قبل عملية اغتيال قاسم سليماني، فهل إيران تعيش دائمًا في هذا الثوب؟ ولايتبدل مع أقسى الظروف التي تمر عبر فصول السنة، هل مقتل سليماني مؤامرة بين أمريكا وإيران؟ وهل هي تضحية مِنْ أجل الفكرة التي أنشأها الخميني شبيهة بتضحية سيدنا إبراهيم بولده إسماعيل من أجل إرضاء الله؟ فالفكرة الخمينية تعيش في أقسى درجات حرارة الصيف الملتهبة، وهي بحاجة إلى شَحْذِ همة الأتباع بعد أن بدأ رموز الفكرة الخمينية، يتساقطون من أعين الأتباع وقلوبهم؛ بالاختلاس و السرقات، وتردي أوضاع البلاد، والسعي وراء المكتسبات الشخصية.

إيران تعيش على صفيح ساخن مِن نِقمة الناس على الحكومة في الغلاء وتردي الأوضاع الاقتصادية، والحقوقية، والتعذيب لمعتقلي الرأي، وااضطهاد السنَّة، وَتَمَلمل للحاضنة الشيعية؛ المصدر الوحيد للفكرة الخمينية ومقتل 1500 متظاهر في التظاهرات الأخيرة، والعراق المُتَهمة إيران بتخريبه، وإنهاكه وإشاعة الفساد باسمها ودعمها.

وخروج الحاضنة الشيعية الناقمة على الرموز الفاسدة بهتافات معادية للصدر، وآية الله السيستاني، وعمار الحكيم؛ الذين كانت لهم قدسية من المس، وحزب الله في لبنان يُتهم علنًا من قِبل الجميع صباح مساء بالفساد، وإفساد لبنان، وسوريا؛ إذ بدأت دمشق تعاني أزماتٍ مالية طاحنة، واليمن المنغمس في مستنقع الموت والفقر.

فهل إيران تريد أن تستعيد حاضنتها الشعبية؟ وتبرر لحاضنتها أن فشلها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ليس بسبب فكرة الخميني؛ وإنما بسب محاربة الشيطان الأكبر لها، وتصوير مقتل قاسم سليماني بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنه.

في المقابل؛ فإن ترامب المقبل على انتخاباتٍ تجديديةٍ، والملاحق بقضايا؛ قد تعصف بمنصبه، أو تؤثر على ناخبيه في الدورة المقبلة، والذي يسعى بكل جهدٍ إلى إحداث ضجيجٍ في الأوساط الإعلامية، والسياسية لكسب الوقت، وتخدير المجتمع الأمريكي بانتصارات قد تكون وهمية. فهاهو نائب قائد الحرس الثوري يقول: «الرسالة الرسمية الأمريكية طلبت ألا يتجاوز حجم الرد الإيراني سقف الانتقام لسليماني فقط».

فهل موت سليماني كان طوق نجاة لترامب وخامنئي؟ أم أن إيران كانت قد بدأت في خلع الثوب الرمادي وارتداء الثوب الأحمر معلنةً لـ «معلم الحارة»أنَّ «صبي المعلم»  قَدْ نَضج، وأنه يطمح ليكون خليفة «مِعلم الحارة» وهي بالمشاكسة؛ ابتداء من حجز السفن النفطية في الخليج وإسقاط طائرة درون فخر الصناعة الأمريكية، وإصابة حقول النفط العربية ذات الوصاية الأمريكية، ثم الوصول إلى التعدي على الممنوع والخط الأحمر بالنسبة للأمة الأمريكية؛ ألا وهو التعدي على السفارة الأمريكية وتهديد حياة الدبلوماسين الأمريكيين، فارتأت الإدارة الأمريكية أن تؤدب الصبي، وتقطع يده ليتوقف عن الطموح الخارج عن حدود الدائرة المسموح له بها.

وهذا الثوب الأحمر هو الأقرب للواقع اليوم بعد أن رُفِعت الراية الحمراء فوق المرجعية الشيعية في «قُمْ» إعلانًا للثأر والانتقام.

ففكرة الخميني وورثتها بين كمَّاشتي المهادنة مع أمريكا واستهداف مصالح أمريكية ليس بها أمريكيين، وبالتالي تَفْقد احترام الحاضنة للفكرة، وتعود المظاهرات في لبنان، والعراق وإيران، وخروج القوات الأمريكية من العراق بعد أن وافق البرلمان العراقي على ذلك (وغالبا هذا مايريده ترامب)، أو استهداف مصالحٍ أمريكية؛ بها مواطنون أمريكيون، وإعلان المسؤولية عن ذلك، مما يؤدي إلى وقوف أمريكا خلف ترامب؛ معلنًا عودة حرب فيتنام وأفغانستان مرة أخرى؟ أم أن إيران ستستمر في تخصيب اليورانيوم والحصول على القوة النووية ثم الرد على القوة الأمريكية؟ (وهذا غالبا ما لايريده ترامب)، وما يحدد أي مسار ستسلكه المواجهة؛ هو آلية الرد الإيرانية وحجمها، والفائز في نهاية الحرب أحد طرفي الصراع والخاسر شعوب المنطقة من دمار للبنية التحتية، وأن تصبح إيران وأخواتها المطلة على الخليج عِرَاقًا آخر.

وفي جميع الاحتمالات يبدو أنها البداية الحقيقية لنهاية الفكرة الخمينية وأُفُولها، وقد تَفْتك بأمريكا أزمات اقتصادية تجعلها تخطو للخلف خطوات مما يؤدي إلى ظهور نظام عالمي جديد وقوة جديدة أخرى؛ قد تكون لتركيا نصيب قوي فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد