قد خلص الإنسان باستقرائه للتاريخ والأحداث على الأرض، أن الدول ذات الطابع التوسُعي عادة ما تعمل على آليَّات مرحلية لتنفيذ أهدافها ومصالحها الاستراتيجية التوسعية التي وضعت منذ سنوات وفق لمجالها الحيوي على الساحتين الإقليميّة والدَّوْلِيّة معًا. وأطل علينا العام 2020م، ومثل ما جرت العادة في أي عقد جديد تبدأ مع بدايته أحداث جديدة من شأنها أن تحدث تغيير في المنطقة والعالم، فكان أول أحداثه التي ربما تظهر تبعاتها في السنوات القادمة مقتل قائد فيلق القدس ثاني رجل في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قاسم سليمان الذي زاد من حدة النزاع بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة.

منذ انقلاب آية الله الخميني على النظام الملكي تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي في العام 1979م، تميزت علاقة النظام الإيراني الجديد وقته مع القوى الغربية ودول الأقليم بتاريخ مضطرب، فعلاقتها متوترة مع العرب ومع دول بحر قزوين ومتأرجحة مع تركيا وباكستان وافغانستان وسيئة مع إسرائيل التي تدعمها الولايات المتحدة والغرب، لذا فإن إيران تشعر بالحاجة إلى إظهار نفسها كقوة إقليمية متفوقة، فعمدت إلى توسیع دائرة نفوذها والتمدد في دول منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط لحماية مصالحها، فأصبحت إيران الدولة الشيعية الأكبر والأكثر قوة عسكريًا كما دعمت الشيعة في الدول الأخرى. وحتى لا يكون هناك أي خطر من شأنه أن يهدد الأمن القومي الإيراني وسيادته، وحتى تتمكن من مواجهة هذه التهديدات أنشأت محور المقاومة خارج حدودها بالإضافة إلى سعيها إلى امتلاك السلاح النووي فهل تمكن النظام الإيراني بعد السياسة التمدد التي اتبعها في عدة دول من إخراج أرض المعركة عن حدوده؟

مجالها الحيوي «أسطول المقاومة»

استفادت الجمهورية الإيرانية من الحرب التي اندلعت بينها وبين العراق الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988م والتي أسهمت بدورها في إحداث تغيرات إقليمية طويلة الأمد وواسعة التأثير، حيث كانت بمثابة الاختبار الأول للجمهورية الوليدة آنذاك وصراع وجودي لها، كان من نتائجها أن تمكن النظام الإيراني في سنوات عدة من اتباع استراتيجية المجال الحيوي، فتم حشد الخبرات والإماكنيات في الحروب والنزاعات سواء المباشرة أو غير المباشرة – حرب بالوكالة  -، وبذلك باتت إيران تمتلك قوة عسكرية ضخمة تتكون من جيش نظامي داخل حدود الجمهوية، بالإضافة إلى جيش غير نظامي ممتد خارج الحدود الإيرانية أخذ نفوذه بالتعاظم في المنطقة، واستطاعت من خلال هذا الأسطول الممتد خارج حدودها من ضرب خصومها المسلحين، سمي هذا الإسطول «بمحور المقاومة».

كان المؤسس والعراب له قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وهي شبكة مترامية الأطراف من المليشيات المسلحة وشبكات أخرى لرعاية والتأثير في جميع أنحاء المنطقة، متوغلة في الداخل السوري وصولا إلى أفغانستان – الطاجيك والهزارة -، ومما سبق نستنتج بأنه في حالة حدوث أي نزاع مع القوات الأمريكية أو الكيان الصهيوني في المنطقة قد ينتج عنه حرب عصابات تُخاض على جبهات وأقطار متعددة.

تتميز استراتيجيتهم العسكرية والحربية بأنها متعددة وتتبع أساليب مباشرة وغير مباشرة، أبرز الأسلحة غير المباشرة التي يعتمدون عليها والتي بدورها قد تؤدي إلى تصعيد أو نزاع مسلح هي الهجوم المباغت لمنشأت حية استراتيجية أو الاغتيالات للأشخاص ذوي التأثير أو أسر لجنود أعدائهم، أما الأسلحة المباشرة فهي إما الحروب التي خاضتها بعض من هذه المليشيات المسلحة – جماعة الحوثي وحزب الله – ضد الجيوش النظامية، أو دعم حكومات وأنظمة – نظام الأسد – لتبقى في الحكم ضد الثورات التي اجتاحتها.

لم تتوقف إيران عند هذا الحد فكلما برزت أحدث من شأنها أن تحدث تغير في المنطقة أو دعتها الحاجة إلى الدخول في مناطق استعصى عليها الدخول بها في السابق، تلجأ الجمهورية إلى خلق قضية جديدة مع أعداء أيديولوجيين حتى تستخدم محور المقاومة لبسط مزيد من النفوذ، مؤخرًا وبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي تخفيف عدد القوات المتواجدة بأفغانستان، شرع النظام الإيراني بدعم مجموعاتي الطاجيك والهزارة الشيعية التي تدعي إيران أنها تعاني من الاضطهاد من قبل حركة طالبان كذريعة لممارسة نفوذها المتصاعد في أفغانستان، هذا يعني أن النظام الإيراني ربما لديه النية من ضرب أو تقويض المصالح الأمريكية في الأشهر أو السنوات المقبلة إما ردًا حقيقيًا على مقتل سليماني والعالم فخري زاده أو على أي سلوك تصعيدي قد تحدثه الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، فهي لن تدخل بحرب مباشرة مع الولايات المتحدة لكنها ستعتمد على المليشيات لشن الهجمات كما سوف تعمل على استخدام ورقة مضيق هرمز لضرب المصالح الأمريكية فيه، كذلك عملت في الدول التي سيطرت عليها كالعراق والدول التي تسعى لسيطرة على نظام الحكم فيها مستقبلاً – اليمن وأفغانستان – إلى إدخال نظام التجنيد الإجباري في صفوف الجيش النظامية.

ضفتا الأطلسي ودول الأقليم حرب باردة مشتعلة

تعتمد استراتيجية حلفاء ضفتي الأطلسي تجاه إيران على سياسة المسارات المزدوجة، بمعنى تفعيل مسار واحد فقط وهو العقوبات، في حين تُعثر المسار الآخر وهو المفاوضات دون تحقيق أي مردود إيجابي، وتتسم العلاقات الأمريكية الإيرانية بأنها علاقة متوترة تغلي ببطء منذُ أربعين عاماً حتى وصول دونالد ترامب إلى الحكم في العام 2016، وطوال سنوات حكمه توترت العلاقات أكثر بل أن مسار العقوبات بلغ ذروته في عهده، كذلك انسحابه من المفاوضات الخاصة بالاتفاق النووية الإيراني، ولكن ما زاد من حدة الصراع مقتل قاسم سليماني وإرسال واشنطن آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط، كما أعلنت حالة الاستنفار في المنطقة بحجة ردع إيران لأنها تشكل تهديد للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

أما الحلفاء فنجد أن هناك انقساما واضحا بين الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط في التصعيد مع إيران، فتتبع الدول الأوروبية مسار المفاوضات أكثر من مسار العقوبات الذي تتبعه الولايات المتحدة، أما دول الخليج وإسرائيل فقد سعى هذا التحالف دائمًا بإضعاف النظام الإيراني ووقف تأثيره المتنامي في المنطقة، خير دليل على ذلك أن كانت مواقفهم تجاه إيران في الآونة الآخيرة داعمة لحملات الضغط القصوى التي اتبعتها إدارة ترامب، كما نادوا بإن كل الخيارات متاحة من أجل التصدي لتهديد الإيراني، والحقيقة أن هذه الدول تخشى من حدوث حرب لا تحمد عقبها بأي شكل في المنطقة.

حلفاء المصلحة أولًا وحلفاء العقيدة والفكر

اذا ما قارنا بين سياسة إيران والولايات المتحدة في الأسلوب المتبع في تكوين الحلفاء هو أن سياسة الأخيرة وحلفائها تمثلت بتكوين أكبر قاعدة للحلفاء في العالم، فأنشئت القواعد العسكرية والكيانات الاقتصادية كم دعمت أنظمة الحكم الموالية لها في دولاً عدة، كما خلقت عالم قائم على الانعزال والاكتفاء الذاتي، لذا غابت عنهم فكرة تكوين حلفاء يتشاركون إيمان الفكر والعقيدة والتوجهات، لا يرفضون فكرة أن يرموا بأنفسهم في التهلكة دفاعًا عنهم أو من أجل العقيدة والفكر إذا ما حدثت حرب أو هجوم يهدد هذه الدول، فقد اعتمدوا على سياسة بناء تحالفات قائمة على فلسفة المصلحة أولاً، قد نجد هؤلاء الدول الصديقة ربما تدخل في حروب وصراعات في حالة تضمن لهم مصالحهم أو أن يعبروا عن قلقهم ويدعون الأطراف إلى ضبط النفس! لذا يمكن القول إن خيار الحرب هو آخر ما يفكر به أو تخطط له طهران وواشنطن، لأنها ستكون حربا مدمرة ومكلفة للغاية بالنسبة للمنطقة والعالم بأسره، كما أن واشنطن لن تغامر بدخول أي حرب دون أن تضمن بأن لديها تحالفًا ضخمًا مثل أيام غزو العراق.

بَيْد أن النظام الإيراني كدولة تسعى إلى دور القيادة في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، أعادوا إحياءَ مصطلح عرف في أوساط علماء الجغرافيا السياسية بـ«الجيوبوليتيك الشيعي»، كآلية جيو-سياسيَّة لتنفيذ استراتيجية عليا لديهم تتمثل بإنجاز البناء الإمبراطوري الشيعي، فعملت على اتباع سياسة المجال الحيوي المتمثل بمحور المقاومة واستطاعت أن تتوفق به على الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، فنجد إيران حاضرة في الملاعب الدولية المحيطة بيها حتى إذا نشبت حرب أو نزاع أو تصعيد كما نرى هذه الأيام، لا تصبح إيران ساحة صراع وحروب دولية! بمعنى تبقى إيران والجمهورية بفكرها ومذهبها الشيعي وتتوغل في المنطقة وفي الدول التي لم تصل إليها بعد، وتبقى دول أخرى كالعراق وسوريا واليمن هي خط الدفاع الأول لنظام الإيراني في المواجهة. ولأن الحروب الدينية قائمة على الإيمان والعقيدة التي تحرك الإنسان نحو هدفه، فطن النظام الإيراني إلى هذه المبدأ وجعله من أقوى الأسلحة التي من خلالها يستطيع المرء مواجهة الخصوم والأعداء، فنجحوا بالتعبئة العسكرية لفكرة المد الشيعي كما ساعد في نجاح هذا التمدد هو الفراغ الذي عاشته المنطقة عقب الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق. كما أن دمار جزء كبير من مفاعلات بوشهر أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ساعد ذلك النظام الإيراني من إعادة توزيع المفاعلات النووية تحت الأرض كنظام للردع لأي ضربة محتملة لإيران.

بعد هذا الاستعراض الموجز لنفوذ الإيراني في المنطقة وازدياد حدة التوتر مع الولايات المتحدة يوجد سؤال مهم يفرض نفسه بالقوة على الأذهان طوال الأربعين عامًا، هل النظام الإيراني سيئ من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها حقًا؟ بل هل نظام آية الله الخميني عدو حقيقي فعلاً؟ وإذا كان كذلك كما يروجون في وسائل الإعلام فما الذي تنتظر الحكومات الأمريكية المتعاقبة حتى تشن الحرب على إيران؟ وما هو البديل المناسب الذي سوف يضمن تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة للحكم في بلاد فارس؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد