مؤخرًا، أصبح الإرهاب هو المفهوم الذي نتطلع لمجابهته بشكل يومي. تقع مسؤولية هذه الأعمال – في بعض الأحيان – على عاتق بعض المنظمات الشيوعية والفاشية، وبعض الحركات المتطرفة والانفصالية في أحيانٍ أخرى. وقد واجه العالم – في الشهر الماضي فقط – العديد من الهجمات الإرهابية البشعة التي امتد نطاقها من اليمن إلى العراق، ومن نيجيريا إلى باكستان، ومن تركيا إلى بلجيكا وساحل العاج. إنه لأمر مُقلق ما نراه من تصاعد في عدد ونطاق هذه الهجمات يومًا بعد يوم.

إنه لأمر مكروه بالنسبة لي أن أقيِّم حجم تلك الأعمال الإرهابية من خلال بعض الإحصائيات الجافة فقط، ولكن حتى يتسنى لنا إظهار مدى جسامة تلك الأحداث، فإن الأمر يحتم عليّ سرد بعض الأرقام المرعبة. وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي في عام 2015، فقد زادت الأنشطة الإرهابية في عام 2014 بنسبة 80% وهو أعلى مستوى من حيث النسبة المئوية تم توثيقه. نستطيع أن نرى أيضًا تركز الأنشطة الإرهابية بشكل خاص في 5 بلاد إسلامية وهم: العراق، نيجيريا، أفغانستان، باكستان، وسوريا، ويصل حجم الخسائر في الأرواح في تلك البلاد من جراء هذه الأنشطة الإرهابية إلى ما نسبته 78%. يا لها من إحصائيات مخيفة، ولكن من المؤسف أن يقيّم البعض هذه الأعمال الوحشية على أنها قوة مُحركة طبيعية داخل العالم الإسلامي، وهو ما يجعلهم يمضون قُدمًا في حياتهم اليومية بشكل طبيعي دون الأخذ في الاعتبار أن ما على المحك هنا هو أرواح البشر. ومع ذلك، فقد تركت تفجيرات باريس وبروكسل – التي حدثت مؤخرًا – العالم في حالة من الصدمة وهو – مجددًا – ما يُظهر أن الإرهاب لا يعترف بالحدود، وأنه أيضًا بمثابة الخطر الداهم الذي يحاصر الغرب.

ساهمت هذه الهجمات في حدوث صحوة عالمية لمكافحة الإرهاب، وكانت أيضًا بمثابة الدافع وراء الكم الهائل من رسائل الإدانة والشجب التي خرجت على لسان القادة في جميع أرجاء العالم. لم تكن ردود الأفعال التي أعقبت هذه الهجمات الوحشية من تلك التي ألفناها مقارنةً بالأحداث الإرهابية الأخرى التي حدثت في بقاعٍ أخرى من العالم. على سبيل المثال، فقد أُطفأت أنوار برج إيفل في ذكرى مقتل أكثر من 120 شخصًا في 14 نوفمبر أثناء هجمات باريس، وقد غير أيضًا – برج إيفل – أنواره لتكون على هيئة العلم البلجيكي وذلك عقب تفجيرات بروكسل التي حدثت الأسبوع الماضي. أظهر الكثير من البشر تضامنهم تجاه ما حدث عن طريق تغيير صور الحسابات الشخصية الخاصة بهم على مواقع التواصل الاجتماعي لتكون على شكل أعلام كل من فرنسا وبلجيكا. عبّر أوباما – الذي قام بزيارته الرسمية المشينة الأولى لكوبا، عقب 88 عامًا منذ انقطاع العلاقات بين الدولتين – عن تضامنه مع بلجيكا من خلال بعض الكلمات الصادقة والتي جاءت كالتالي «سنفعل كل ما هو ضروري لدعم صديقتنا وحليفتنا بلجيكا في محاولاتها لتقديم المسؤولين عن تلك الأحداث إلى العدالة». وقد أمر أوباما نصف موظفي البيت الأبيض بوضع العلم الأمريكي على ملابسهم وذلك بجانب رفع العلم الأمريكي على جميع المباني الحكومية احترامًا لضحايا تفجيرات بروكسل.

إنني أُدين وبشدة تلك الهجمات الإرهابية التي تحرق قلب أوروبا، ولكنني في الوقت ذاته أُدين تلك الهجمات التي تقع في وطني تركيا، وفي ساحل العاج، وفي باكستان، وفي العراق، وفي سوريا، وفي كل بقعة من بقاع العالم، وإنني على أتم الاستعداد لإظهار روح التضامن بكل الطرق الممكنة بوصفي مسلمًا وبشرًا على حدٍ سواء. جميع هذه الهجمات حدثت في غضون 10 أيام، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد تأكد مقتل ما يقرب من 16 شخصًا في ساحل العاج وذلك عقب اقتحام بعض المسلحين ثلاثة فنادق في منتجع جراند بسام، وقد حدث ذلك قبل يومين من التفجير الانتحاري الذي حدث في باكستان وخلّف وراءه – على أقل تقدير – 69 قتيلًا وما يزيد عن 341 مصابًا. حدث هجوم انتحاري آخر في إستاد لكرة القدم في مدينة الإسكندرية العراقية وهو ما نتج عنه استشهاد 41 شخصًا إلى جانب 105 مصابين. وعلى الجانب الآخر، فقد تعرض وطني تركيا – وذلك منذ يونيو الماضي – إلى 6 هجمات إرهابية أسفرت عن مقتل 150 من الأبرياء وأكثر من 500 مصاب. ومع ذلك، فلم تلق أي من تلك الأحداث الاهتمام الكافي في وسائل الإعلام والتقارير الإخبارية العالمية، كالذي حظيت به الهجمات التي وقعت في باريس وبروكسل.

ومع ذلك، فمن المُنتظر أن نرى موقفًا مُوحدًا من البشر ضد الإرهاب، وأن يُظهروا قدرًا من الاحترام لهؤلاء الذين يعانون من جراء هذه الهجمات التي تحدث في أوروبا، ولكن لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في ذلك السؤال المرتبط بحدوث تلك الهجمات على البلدان الأوروبية وليس غيرها بشكل يكاد يكون يوميًا. في الوقت ذاته، ينتابني ذلك الشعور بالرضا عند المرور على بعض الكتابات الصحفية لبعض الكُتّاب من ذوي الضمائر الحية وذلك لإبرازهم تلك المعايير المزدوجة التي يظهرها البعض في أعقاب هذه التفجيرات الهمجية الوحشية.

على الرغم من كل الصعوبات، فإنه لمن غير المنصف أن نلقي باللوم كله على الغرب. على أية حال، من هو المسؤول عن هذا الأمر، وما الذي نستطيع فعله كي نُظهر للعالم أن أرواح المسلمين مهمة، شأنها في ذلك شأن أرواح الأوروبيين والأمريكيين؟ هناك تحيز واضح ضد المسلمين في العالم كله، هذا بجانب حالة الرعب التي تنتاب البعض عند سماعهم كلمة الإسلام اعتقادًا منهم أن الإسلام يساوي الإرهاب والتعصب، وأنه بعيد كل البعد عن الجمال الموجود في العالم. وذلك علاوة على الشعور الذي ينتابهم بأن الإسلام مساوٍ للرجعية والكراهية، القائمة تطول وتطول. في اعتقادى إن مسألة تسويغ وجهة النظر الغربية للإسلام وحسب هو بمثابة المضيعة للوقت، ولكن على العكس من ذلك فإن الأمر يتطلب منا التصالح مع فكرة وجود بعض المسائل التي تتعلق بالتعصب في الإسلام، ويجب علينا إيضاح أن هذه المشاكل التي تتعلق بالتعصب هي في واقع الأمر لا تمت بصلة للآداب والأخلاق القرآنية، وأن الأمر يُوجب علينا إيجاد حل لهذه المسألة فيما بيننا لإنهاء هذه المشكلة.

تُلحق العقليات المتطرفة التي سادت في العالم الإسلامي الأذى بالإسلام نفسه، ويظهر من خلال هذه الأيديولوجية المتعصبة كما لو أن الإسلام من الصعب ممارسته بعيدًا عن هذا التعصب، ولكن الحقيقة على العكس من ذلك تمامًا. قال تعالى في كتابه الكريم «وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى». (سورة الأعلى، الآية رقم 8).

في ذلك النموذج المغلوط من الإسلام، هناك فهم خاطئ تمامًا للدين يتنافى مع العقل والمنطق. من الأشياء التي تندرج تحت هذا الفهم الخاطئ، اضطهاد المرأة، ووجوب كراهية ومعاقبة الآخرين المخالفين في العقيدة. وفي عالمهم، ينبغي أن يرتبط الدين بالعوز والبؤس، وبطريقةٍ أو بأخرى فما زالت تلك الأفكار مستمرة في الطليعة مع تعالي تلك الأصوات المتطرفة. تتسبب هذه الصورة المغلوطة في حدوث حالة من الحنق والغضب لدى الغرب. ومع ذلك، فإن الأمر يتطلب من مواطني دول الغرب عدم الوقوع في فخ التعميم، ووضع المسلمين جميعًا في سلة واحدة باعتبارهم هؤلاء الأفراد الملوثين الأشاوس المؤيدين لتلك البدع المخلوطة بالخرافات والتقاليد الثقافية، وذلك لأن المتطرفين يمثلون الأقلية القليلة في الإسلام، فالمتطرفون يمثلون أنفسهم فقط، ومسألة أنهم يمثلون الأغلبية هي مسألة بعيدة كل البعد عن الواقع ولا وجود لها إلا في مخيلتهم المريضة. على الجانب الآخر، ينبغي على العالم الإسلامي أن يكون مركزًا للحضارة والفضيلة أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض، وذلك لأن الإسلام هو بمثابة حجر الأساس للفضيلة والجمال المذكور في القرآن الكريم. من المفترض أن يرتقي المسلمون إلى أعلى الدرجات في ما يتعلق بمسألة الفضيلة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، وذلك لأنه كان الشخص الأكثر رقيًا وتهذيبًا في عصره.

وبالتالي، وقبل أي شيء، فإن حياة البشر هي الشيء الأهم في هذا الكون، وينبغي على الجميع إظهار روح التضامن والاحترام لأولئك الذين يُصابون في تلك الهجمات الإرهابية بغض النظر عن موطنهم، أو لونهم، أو معتقداتهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد