تحضر العزلة بقوة في إنشاء زمن متسع للإبداع لإنفاذ غرضه وهو يقايض الكتابة ويصلبها في انعتاق كلي بمنأى عن الضجيج والسائد فتنحدر ضمن نبوءة تحشر الكاتب في ظلالها، لتختزل هواجسه وكلماته في قيامة أخرى منزوعة الانتظار.

إنه يمتحن نفسه بها، من شاهق إنشائها لأفكاره الخارقة لكنها تظل مشحونة بضراوة التأمل والانحياز لمجمل الجوارح المكتظة في ذاته المبدعة والتي تؤرّق لغته وخياله الجامح في استقطاب الدهشة والذهول.

فهل تعد العزلة قدر الكاتب وملاذه لتحشره في ميثاق الابتكار لدحض الحيرة والقلق المزمن؟

لطالما كانت العزلة منهجًا للإبداع ومُوّلدًا للإلهام كخروج من أسر الواقع وصخبه لتصبح نمطًا غير متاح إلا لذوي الخيارات الصعبة في رتق الفراغ والتخفف من أعباء الذات وسط المعقول واللامعقول.

يقول الروائي أمير تاج السر بعد قراءة رواية «اختراع العزلة» للكاتب الأمريكي بول أستر:

«أتوق إلى اختراع عزلة ما، عزلة ربما كتابية أو اجتماعية أو إنسانية، أو مجرد عزلة قد تسفر عن وقائع ما أو لا تسفر عن شيء. ذلك أن صياغة العالم في عزلة أستر كانت مغرية جدًا بالرغم من كآبته».

العزلة ليست بمعنى الاستكانة والهروب من الواقع، قد يكون البعض من هذا واردًا ولكن عزلة المبدع هي درعه الأساسي حتى يكون مُحصنًّا من تشتت الأفكار، من حشد الفوضى والضوع إلى ممارسة الصمت والإنصات الكليّ للوجدان، وهذا الأمر يستميل الشاعر والمفكر ادمون جابيس «شاعر المنفى» فيصف منفاه بأنه الاكتشاف المضيء لليل والاختراق الحساس اللامرئي.

أما الشاعر الفرنسي كلود إستبان فقد كان غارقًا في صمته منسحبًا من العالم في جزيرة «كامبا» ومتعمّقًا في بئر للألم كأنه مُطوق بمنفى داخلي، حتى عندما رُشّح لنوبل كان قد دمرّ كلّ الجسور ليثبت انمحاءه من العالم وعزلته المتكبرة قائلًا:

«في عزلتي المحبوبة، كان لديّ قبضة من تراب لأستقبل أهوال المرحلة».

كان هناك إجلال للعزلة، حيث تتأهّب جمرة الباطن لتوقظ ذلك النزف الراكد في الفراغ فيتدحرج على هيأة اللغة، في شكل إبداع لتتبلور ماهيّة الأفكار بعيدًا عن دائرة التيه وسط الفساد والتفسخ، حيث العالم الذي تزدهر فيه مرايا الزيف والعبث والأنماط المُتصدعة في توّترها وصراعاتها مع تلك الخصائص المستنسخة في كل مرة وفي كل عصر.

في الواقع إن خلوات الفلاسفة والأدباء والمبدعين عامة، كانت سعيًا لسماع وجود عميق لا يسمعه غيرهم من البشر، فحسب موريس بلانشو يُعرّف الكلمات «إنها متصلة لشيء آخر غير معناها، إنها متجهة نحو…» كأنها تخلق حركة نحو المعنى كما نحو الحقيقة لكن بفائق الشاعرية.

وبالتالي فالعملية الإبداعية تبدو مُعقدة ولذلك هي تحتاج حتما لعزلة ما باعتبارها مصدر انبثاق للضوء أو للشفق حين يذكر الشاعر والروائي سليم بركات في تعريفه للقصيدة:

«القصيدة هي ذلك الوقوف في الشفق، الذي يغرق في تأمله الكون من ثقل غامضة».

إن التأمل نتيجة حتمية لعزلة تترجم حيرة ما وتفاعل مع فكرة مرسومة في الخيال أو عالقة بالذاكرة، فصهيل الخارج وصخب الحياة يؤثر سلبًا في انطلاقها نحو مسارها الحقيقي، لأن الإبداع هبة منذورة لليقظين في فضاء لا محدود حيث تتجلّى المباحثة مع النفس وهذا ما عبّر عنه الشاعر الشهير شارل بودلير وهو القائل أيضًا:

«هناك من يستطيع أن يلهو إلا وهو في قطيع … البطل الحقيقي يلهو وحيدًا».

إن أغلب المبدعين يتعاملون مع العزلة بامتنان حقيقي وبفائض من ثناء الذات المبتكرة والخلاقة وفي هذا السياق يعترف الروائي الشهير بول أستر بذلك فيقول :

«بشكل جذريّ لا أستطيع أن أكتب بين عموم الناس».

هذا يبين أن كل عمل إبداعي هو ذلك المخاض العسير للفكرة والمنهج ورصد تلك الرؤى المتضاربة عبر بوابات التأمل والمراجعة حتى تكتسي طابعها الإنشائي في أحداث الاختلاف وتلك المقدرة الإضافية في ترجمة الكون، لكن يعزّ الانتماء لواقع يطوّح به بعيدًا عن انشغالاته في زمن لا يبادله هلوساته العميقة لإيجاد مكان بين الذات وعالمه المحسوس فيلتحم بالعزلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد