بعد كل عملية إرهابية ينقسم المصريون إلى عدة فرق، منهم من يرى أن القضاء على الإرهاب يقتضي المزيد من العمليات القتالية في سيناء أو ما يسميه «الحل الأمني»، وهناك من يرى أن الحوار والتوعية هو الحل الأنسب وهو دور المؤسسات الدينية والإعلام والهيئات المجتمعية، البعض يظن أن الدولة مقصرة في تأمين الضباط والجنود، وآخرون يرون أن اتهام الدولة بالتقصير هو نوع من دعم الإرهابيين، وأن الهتاف للمؤسسة العسكرية ومدحها طوال الوقت هو واجب وطني لتشجيعها على مواصلة الحرب ضد الإرهاب.

في صباح 5 يونيو من هذا العام وفي أول أيام عيد الفطر المبارك، طالت يد الغدر ضابطًا وعددًا من الجنود أثناء وجودهم في كمين بمنطقة شمال سيناء وهم يؤدون دورهم الوطني بالقيام بعملهم في يوم العيد يوم العطلة الرسمية، واستبسل رجال الجيش في الدفاع عن موقعهم حتى فاضت أرواحهم النقية إلى بارئهم وروت دماؤهم الطاهرة رمال أرض سيناء. بعد ساعات أعلنت القوات المسلحة المصرية عن مقتل كل الإرهابيين مرتكبي الحادث أثناء تبادل لإطلاق النار بعد تتبعهم من قبل أفراد الجيش إلى مقرهم.

الفقرة السابقة لم تكن يوم العيد الماضي فحسب، بل تكررت مرات عديدة على مدار السنين الماضية، وفي كل مرة يتمكن الإرهاب من النيل من الضباط والجنود! وفي كل مرة أصدر الجيش أو الشرطة بيانا يؤكد فيه تصفية من قاموا بالعمل الإرهابي بعد تبادل لإطلاق النار، وتكرر معها مواقف المصريين بالغضب والحنق من تلك العمليات الإرهابية والحزن والأسى على أرواح الشهداء الأبرياء، ويعيد المصريون على صفحاتهم نفس الكلمات ونفس الحلول، الحل الأمني أو الحوار، الجيش مقصر أو لا يجوز اللوم عليه.

لا شك أن العمليات الإرهابية تراجعت بشكل كبير في الآونة الأخيرة عن ذي قبل من حيث الحجم والعدد، وذلك يؤكد أن العمليات العسكرية قد أنهكت قوى الإرهاب وكسرت شوكتهم، وأدرك هؤلاء المارقون أنهم أمام جيش نظامي متماسك ذي عقيدة ومبادئ لا يتخلى عنها، يتفوق عليهم عددًا وعتادًا وإيمانا بقضيته، وأن تلك اللدغات لن تضعفه ولن تزعزع تماسكه، ومع ذلك لم تتغير عقيدتهم أو فكرهم المُعادي للدولة والمعادي للأمن والاستقرار، فهم ما زالوا مؤمنين أنهم على حق، ويظنون أن الجنة تنتظرهم أو النصر سيكون حليفهم يوما ما، لذلك يعاودون الكرة ويجندون من يمكن إغواؤهم بذلك الفكر المتطرف من ضعاف النفوس وفقراء الفكر، معتمدين على تمويل من أصحاب المصالح من استمرار الإرهاب وترويع الأبرياء على أرض مصر.

ويظل السؤال ملحًا على الأذهان.. متى نتخلص من هذا الإرهاب الغاشم؟

لقد سمعنا وعودًا كثيرة من المسئولين السياسيين والعسكريين أن مصر سوف تخلو من الإرهاب في فترة زمنية قصيرة، خاصة أرض سيناء، وتمر الفترة تلو الفترة ولا يتحقق الوعد، وتفقد مصر المزيد من أبنائها المخلصين شهداء على يد الإرهاب الأسود، ولم يقف مسؤول واحد يعترف بتقصير أو إهمال أو حتى مراجعة للنفس وللأحداث السابقة كي نعرف ما ينقصنا للحد من هذا الفكر المتطرف.

وكما أن العمليات العسكرية لم تتوقف في سيناء، فإن الدعاة لم يتركوا منبرًا ولا وسيلة إعلامية إلا وحثوا الناس على نبذ الإرهاب ودعم الجيش وأفراد الأمن، ونبهوا لعظم خطيئة قتل النفس وأنه لا يوجد دين يدعو الناس لقتل الأبرياء الأمنين، ويذكرونهم أن «من قتل نفس بغير نفس كأنما قتل الناس جميعا»، وأن الإسلام بريء من هؤلاء المخربين الضالين، كل هذا دون جدوى!

وهل تظن أن الإرهابي متطرف الفكر في صحراء سيناء سيستمع إلى موعظة من شيخ أزهري بعمامة بيضاء ولحية منمقة على منبر مزين يخطب في شاشة التليفزيون أمام مجموعة من الضباط في مسجد من مساجد القاهرة!

إذًا ما الحل؟

إن طريقة الدولة المصرية في معالجة أزمة الإرهاب بتصفية المتهمين بالإرهاب في مواقعهم تحت مسمى الثأر لشهدائنا ينمي فكرة الثأر لدى الفريق الآخر، ويحث من كان يسلك طريقًا سويًا أن ينضم لتلك الجماعات المتطرفة عندما يفقد قريبًا أو صديقًا له قُتل على يد قوات الأمن دون محاكمة حتى وإن كان يستحق القتل، وتظل الدائرة تكمل بعضها، كما أن تلك الطريقة تمحي معنى الدولة والقانون، إذ تتحول قوات الأمن من يد الدولة التي تحمل السلاح كي تحمي وتدافع عن سيادة القانون إلى أفراد مجروحة وتنتقم لجرحها ولفقدان عزيز لديهم.

العنف يولد العنف، وتنفيذ حكم الإعدام دون محاكمة يسمح باستمرار دائرة الثأر، ويتيح للخارجين عن القانون أن يشيعوا بين الناس أفكارهم، ويصوروا لهم أنه لا يوجد عدالة في هذه البلد، وأن الحكم والقوة لمن يمتلك السلاح طالما غاب القانون، وان لم تكن فردًا في قوات الأمن فلن تصبح قويًا أو آمنًا دون أن تنضم لعصابتهم وتمتلك السلاح الذي هو بحوزتهم، وأضف إلى ذلك المسحة الدينية التي تضفي قدسية إلى خطاباتهم، ومَسكَنة المستضعفين التي تكسب تعاطف الناس مصورة للمتلقي أنهم انصار دين الله الأقلاء الذين يحاربون الدولة الجبارة الكافرة من أجل إقامة الدولة الدينية، وفي ظل غياب الخطاب العاقل وشيطنة كل ما هو ينتمي لكيان الدولة بما فيه الأزهر ودار الإفتاء، سيجد المتلقي السبيل ممهدًا لاعتناق الفكر المتطرف خاصة لو كان له دافع شخصي كحلم الانضمام إلى الشرطة لم يتحقق أو عدم قدرته على امتلاك قطعة أرض ببلده أو فقدان عزيز لديه نتيجة العمليات العسكرية.

إليكم الحل السحري الذي جربناه سابقًا وأثبت نجاحًا في مواجهة موجة إرهاب التسعينيات من القرن الماضي ولكنه غائبًا عن الأذهان هذه الأيام.

السجن.. السجن نقطة حصينة يصعب اختراقها، لا يجرؤ الإرهابي على الهجوم عليه، السجن يمثل هيبة الدولة وقوة القانون، هو المكان الذي يمثل تطبيق العدل، السجن يعني مثول المتهم أمام القضاء وثبوت الاتهام بالأدلة عليه، السجن هو الإثبات أن الدولة لا تقتل الناس بالشبهة والاحتمال، السجن هو إقرار من الدولة أنها لا تتعامل بالثأر كهؤلاء الملاعين الذين يرهبون الناس ويروعون الآمنين، بل نحتكم إلى قوانين وقواعد أرسيت لإحكام النظام بين المواطنين وتحقيق العدل بينهم.

السجن هو أمل للمتهم في إثبات براءته إذا كان بريئًا، السجن هو قيد للمجرم كي لا يسبب الأذى للناس، حينئذ يصبح الإرهابي حبيسًا وليس قتيلاً، لن يفكر أخ أو قريب في الثأر لأنه حي يرزق، بل سيخشون مصيره، ستستنزف طاقة أخوته وأبنائه وذويه في زيارته للاطمئنان عليه ولكن لن يرضى أحدهم أن يصبح يومًا ما في مكانه، السجين نفسه سينصح ابنه ومن يحب أن يبتعد عن ذلك الطريق، وربما يراجع نفسه ويصحح مفاهيمه بعدما يقضي وقتًا في السجن بعيدًا عن جماعته التي كانت تغذي فيه الكراهية للناس والمجتمع، هناك يمكن توجيه الموعظة والنصح له بأن من خلقه لن يأمره بقتل بقية خلقه، وأنه واحد من الناس وليس رقيبًا أو حسيبًا على أعمالهم.

اسجن مئة إرهابي سيجلبون الخزي لألف من أهلهم ويتعظ عشرة آلاف، اقتل مئة إرهابي سينضم للإرهاب ألف من أهلهم وسيترحم عليهم 10 آلاف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات